التراث والتجديد من منظور السلفية (3) تطبيقات سلفية على أعمال تراثية
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
وذلك من خلال رصد وتتبع التطور الفكري، والمؤثرات التي شكَّلت شخصيات لها تأثير في حياة المسلمين، وكذلك التعرف على المرجعية الفكرية التي تعتنقها تلك الشخصية وتسخِّر جهدها العلمي والفكري للترويج لها وخدمتها، ومِن ثَمَّ يمكن نقد عطاء هذه الشخصية وتقييمها.
وقد تناول ابن تيمية في مؤلفاته العديد من الشخصيات التي سبقته، وتأثر بها كثيرٌ مِن المسلمين في عصره، من أئمة الأشاعرة، والمعتزلة، والصوفية، والفلاسفة، حيث كان يدرس الشخصية التي يتناولها دراسة وافية من حيث مكوناتها وعناصرها المعرفية، ومواقفها الأيديولوجية وينظر في مؤلفاتها وكتاباتها، وكتابات مَن سبقوه عنها، ثم يعرضها على مرجعيته السلفية، ومِن ثَمَّ يبيِّن ما لهذه الشخصية وما عليها بدرجة عالية من الإنصاف والعدل.
- فمن أمثلة ذلك: موقف ابن تيمية من تراث أبي حامد الغزالي، الذي عاش قبل ابن تيمية بأكثر من قرن ونصف قرن، ونظرًا لثقافة الغزالي الواسعة؛ فقد أسهم في كثيرٍ مِن ميادين الفكر المختلفة من التصوف والفقه وأصوله، وعلم الكلام والفلسفة، ونال شهرة واسعة في زمانه وبعده، وما يزال، وقد انقسم الناس حوله بين معظِّم له ومعارض؛ فجاء ابن تيمية فدرس شخصية أبي حامد الغزالي دراسة تفصيلية وافية، مبينًا مصادره الفكرية، وتأثُّره في علم الكلام وأصول الفقه: بالجويني، والباقلاني، وتأثره في الفلسفة: بابن سينا، وأصحاب رسائل الصفا، ورسائل أبي حيان التوحيدي، وتأثره في التصوف بكلام أبي طالب المكي، وكلام الحارث المحاسبي.
وتناول ابن تيمية آثار هذه المصادر على شخصية الغزالي؛ فبدت متناقضة: تكفِّر الفلاسفة وغلاة الصوفية في مواضع، ثم يتأثر بأقوالها في مواضع أخرى!
ويبيِّن ابن تيمية: كيف أسهم الغزالي في توطين التصوف والفلسفة، ودمجهما في الإسلام باستخدام عبارات إسلامية في التعبير عن مقاصد الفلاسفة، ويكشف ابن تيمية ضعف الغزالي في علم الحديث والذي أوقعه في ضعف علمي فيما يتعلَّق بالشرعيات؛ فتبنى أشياء مِن أغاليط الصوفية وترهاتهم ! وأكثر من ذكر أحاديث وآثار ضعيفة، بل وموضوعة؛ خاصة في كتابه: (إحياء علوم الدين).
أما عن شخصية الغزالي: (فإن ابن تيمية يعترف بذكاء الغزالي، ويرى أكبر عيوبه: جهله بالنصوص الشرعية)؛ الذي اعترف الغزالي به، (ومِن ثَمَّ عاد بعد تطوافه إلى النصوص -القرآن والسنة- يروي بها ظمأه، ويشفي بها علته؛ حتى مات وصحيح البخاري على صدره).
وقال ابن تيمية عن الغزالي: (إنه كان طالبًا للحق وجريئًا في الوقت نفسه؛ مما جعله يقتحم مختلف الميادين، التي تؤثِّر عليه فكريًّا ونفسيًّا، ولكنه في آخر عمره أدرك أن العقل البشري في مجال العلم الإلهي سلاح مفلول ما لم يستمد من المصدر الصحيح وهو الوحي، سواء تزيَّا هذا العقل بزي فلسفة تأملية أو مكاشفات صوفية أو جدليات كلامية، ومِن ثَمَّ عاد بعد تطوافه إلى النصوص).
ولا تخلو كتب ابن تيمية ومجموع فتاويه مِن تحليل كتب الغزالي وشخصيته، وتقويمها؛ خاصة كتاب ابن تيمية: (بغية المرتاد) فإن نصفه تقريبًا مخصص لمناقشة الغزالي كما يقول محققه موسى الدويش (راجع في ذلك: "السلفية وقضايا العصر" للدكتور عبد الرحمن الزنيدي، ص 365 - 369) .
3- الدراسة الشمولية لتاريخ تفاعل المسلمين مع الإسلام:
وذلك بغرض التعرُّف على صور وتطورات تفاعل المسلمين مع الإسلام، والمؤثرات الطارئة عليهم عبر تاريخ الإسلام قديمًا وحديثًا، وتقييمها.
ومِن أمثلة ذلك:
- تتبع ابن تيمية لـ(الحركة العلمية في التاريخ الإسلامي)، وما استخلصه من أن الحركة العلمية تتراجع عبر التاريخ الإسلامي حتى انتهت في العصور المتأخرة إلى وضعٍ متردٍّ على أيدي أناسٍ لم يتحروا سبيلَ الصحابة والتابعين، ولا خبرة لهم بأقوالهم وأعمالهم؛ فهم لا يعلمون إلا ما هم عليه، وما عليه مَن ينازعهم مِن الطوائف الأخرى! فلا يعرفون ما قال السَّلَف في المسائل التي يدرسونها، وذلك من خلال دراسة تاريخ العلم لدى المسلمين، والتعرف على المؤثرات الكثيرة التي أربكت سيره، وحادت به يمينًا ويسارًا؛ مِن هنا يكون العلم لدى المسلمين قابلًا للتقويم والانطلاق الحضاري من جديد، ومن هذا المنطلق قام ابن تيمية بحركته السلفية التجديدية في عصره.
ذَكَر ابن تيمية في دراسته الشاملة للحركة العلمية في تاريخ المسلمين: أن الدِّين بدأ بالأصول من التوحيد في مكة، ولما صارت له قوة بالمدينة نزلت فروعه الظاهرة، مِن: الصلاة، والصيام، والجهاد، والواجبات والمحرمات؛ فالأصول تمد الدِّين بفروعه وتثبتها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها.
أما ظهور البدع في الأمة: فكان في أواخر عهد الخلفاء الراشدين، فكان ظهور بدعتي: الخوارج والرافضة، فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين، وظهر الملك، وظهر النقص في الأمراء ظهر النقص في أهل العلم والدِّين.
وكان ملك معاوية رضي الله عنه ملكًا ورحمة، ثم جَرَت في إمرة ابنه يزيد: فتنة قَتْل الحسين بالعراق، وفتنة أهل الحرة بالمدينة، وحصار مكة، لمَّا قام فيها ابن الزبير، وبعد موت يزيد تفرَّقت الأمة؛ ابن الزبير بالحجاز، وبنو الحكم بالشام، ووثب المختار بن أبي عبيد بالعراق، وذلك في أواخر عهد الصحابة.
وظهرت بدعة القدرية والمرجئة بالتكلُّم في أعمال العباد من الطاعة والمعصية، والمؤمن والفاسق؛ فردَّها مَن كان باقيًا مِن الصحابة مع ما كانوا يردونه من البدع.
وفي أواخر الدولة الأموية: كان انقراض أكثر تابعي التابعين، ومع أوائل الدولة العباسية صار لكثيرٍ مِن الأعاجم ولاية للأمور، وعُرِّبَت بعض الكتب العجمية من كتب الروم والفرس والهند؛ فانتشر (الرأي) و(علم الكلام) و(التصوف)، وظهر التجهم ونفي الصفات، فكان جمهور (الرأي) في الكوفة مع ما كان فيهم من التشيع، وكثرة الكذب في الرواية، بينما كان جمهور (الكلام والتصوف) في البصرة.
