شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التراث والتجديد من منظور السلفية (3) تطبيقات سلفية على أعمال تراثية

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

أما أهل المدينة: فلم ينحرفوا انحراف الكوفيين والبصريين؛ إلا بعضهم، بينما كان الشاميون غالبهم مجاهدين وأهل أعمال قلبية؛ لذا فكُتُب الكلام والتصوف خَرَج أصلها من البصرة، ومتكلمة المعتزلة أئمتهم بصريون: كأبي الهذيل العلاف، وأبي على الجبائي، وكذلك متكلمي الكُلَّابية والأشاعرة: كسعيد بن كلاب، وأبي الحسن الأشعري، والباقلاني، وغيرهم.

وكذلك كتب الصوفية: كالمحاسبي، وأبي سعيد الأعرابي، وأبي طالب المكي، وقد شاركهم خلق آخرون من البغداديين والخراسانيين والشاميين، بينما كان عِلْم النبوة مِن القرآن والفقه والحديث، في الأمصار التي سكنها جمهور الصحابة: كالحرمين، والشام، والعراق؛ فمنها: القُرَّاء السبعة، وأئمة أهل الحديث، وأثبتهم كان في المدينة: كالزهري، ومالك (راجع في ذلك: السلفية وقضايا العصر، ص 369-375) .

قال ابن تيمية عن الحركة العلمية بعد ذلك: (ثم المتقدمون الذين وضعوا طرق الرأي والكلام والتصوف، وغير ذلك، كانوا يخلطون ذلك بأصول من الكتاب والسنة والآثار؛ فأما المتأخرون فكثير منهم جرد ما وضعه المتقدمون، مثل: مَن صَنَّف في الكلام مِن المتأخرين، فلم يذكر إلا الأصول المبتدعة، وأعرض عن الكتاب والسنة، وجعلهما إما فرعين أو آمن بهما مجملًا، أو خرج به الأمر إلى نوع من الزندقة.

وكذلك مَن صَنَّف في الرأي فلم يذكر إلا رأي متبوعه وأصحابه، وأعرض عن الكتاب والسنة، ووزن ما جاء به الكتاب والسنة على رأي متبوعه، ككثيرٍ من أتباع المذاهب الأربعة، وغيرهم.

وكذلك مَن صَنَّف في التصوف والزهد، جعل الأصل ما روي عن متأخري الزُّهَّاد، وأعرض عن طريق الصحابة والتابعين، كما فعل صاحب الرسالة أبو القاسم القشيري، وغيره) (راجع المصدر السابق، ص 374-375 نقلًا عن مجموع الفتاوى بتصرفٍ) .

- ومن أمثلة الدراسة الشمولية للتاريخ: دراسة مراحل تدوين المسلمين لتاريخ الإسلام لمعرفة مواطن الخلل في هذا التدوين، وقد بدأت كتابة التاريخ الإسلامي من خلال مدرستين كبيرتين:

المدرسة الأولى: (مدرسة الحجاز):

التي اهتمت بتدوين السيرة النبوية والغزوات، ورائدها: عروة بن الزبير، وتضمَّنت هذه المدرسة طبقة أبناء الصحابة: كعروة بن الزبير، وأبان بن عثمان بن عفان، ثم طبقة الزهري، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، ثم طبقة موسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي. وهي أول مدرسة لتدوين التاريخ الإسلامي، وتُعرَف بمدرسة (المغازي).

وعن عروة أخذ الزهري؛ الذي كان واسع المعرفة بالأنساب، وعنه أخذ موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وتلك المدرسة صاحبة أقدم وأوثق ملاحظات مدوَّنة عن عهد النبوة والغزوات، وقد جمع موسى بن عقبة بين مرويات الزهري ومروياته الخاصة في كتابه: (المغازي)، الذي ظل متداولًا لعِدَّة قرون، وعنه أخذ ابن سعد، والواقدي، والطبري.

أما كتاب ابن إسحاق الذي جَمَع فيه مروياته؛ فلم يصل إلينا أصله، ولكن وَصَل إلينا قسط كبير منه في سيرة (ابن هشام)، بينما جاء كتاب: (المغازي) للواقدي أكثر دقة في تحقيق تواريخ الأحداث من ابن إسحاق، لكن ميوله الشيعية أثَّرت عليه في تناوله للأحداث.

المدرسة الثانية: (مدرسة العراق في الكوفة والبصرة):

والتي اهتمت بتدريس المعارك والأنساب، وتميَّزت بجمع أخبار الأحداث المختلفة إلى جانب السيرة النبوية، ومن أبرز رجالها: أبو مخنف لوط بن يحيى الكوفي؛ الذي كان يميل تجاه العلويين ضد الأمويين، وقد تناول حروب الردة والفتوحات وأحداث الفتنة، وسيف بن عمر الذي اعتمد على روايات قبيلته تميم مع ميله للعلويين، ثم الشيعي نصر بن مزاحم الذي خاض في أخبار الجمل وصفين، ومقتل الحسن رضي الله عنه، وأورد الآثار في الحطِّ من معاوية رضي الله عنه ومَن معه.

وقد تطوَّرت كتابة التاريخ في القرن الثالث الهجري، فتميَّزت تلك المرحلة بتدوين التاريخ على أساس التسلسل الزمني، وجمع الأحداث المتعاقبة في كتابٍ واحدٍ، وتدوين تاريخ الفتوحات، وفيه كان كتاب الطبقات لابن سعد، وظهر عددٌ مِن المؤرخين الذين كان عملهم يقوم على النقد وانتقاء المادة.

ومن أبرز هؤلاء: خليفة بن خياط الملقَّب بشباب العصفري، وله كتاب: (التاريخ)، وهو أول كتاب على النظام الحولي، أي: كتابة الأحداث التي وقعت في عام (حول) معين، ومحمد بن سعد البغدادي كاتب الواقدي "صاحب الطبقات"، وهو أول كتاب على نظام الطبقات، وأحمد بن يحيى البلاذري، وله كتابان مشهوران: (فتوح البلدان) في تاريخ الفتوحات، و(أنساب الأشراف) في الأنساب، واليعقوبي صاحب كتاب: (البلدان)، تناول فيه تاريخ ما قبل الإسلام حتى سنة 259هـ، وكان علويًّا.

أما الطبري: فيعد قمة الكتابة التاريخية في هذه المرحلة، والذي كَتَب التاريخ العام من بدء الخليقة إلى سنة 302هـ.

وقد تميَّزت هذه المرحلة بالأسلوب المتأنق في الكتابة بعيدًا عن مجرد السرد مع تنوع في طرق التأليف.

وبعد هذا النضج في تدوين التاريخ، ظهرت الكتابة الموسوعية في التاريخ، كما في "البداية والنهاية" لابن كثير، والذي استفاد كثيرًا من الطبري؛ بالإضافة إلى مصادر أخرى، وكما في مقدمة ابن خلدون، وعرفت كتب التراجم، مثل: (سير أعلام النبلاء) للذهبي، و(الوافي بالوفيات) للصفدي، و(طبقات الشافعية) للسبكي، وعرف في أواخر القرن الثامن الهجري تدوين العمران، وتسجيل الحياة الاجتماعية كما في كتاب: (الخطط) للمقريزي.

ثم عرف الجمع بين الأدب والسياسة والسِّيَر في كتابة التاريخ، وظهرت الموسوعات المتعددة الأجزاء، ومن أشهرها: (نهاية الأرب في فنون الأدب) للنويري، ويضم أكثر من ثلاثين مجلدًا، تناول قسمًا كبيرًا منها الكتابة التاريخية، و(صبح الأعشى في صناعة الإنشاء) للقلقشندي المصري، الذي جمع الوثائق والمراسلات السلطانية في محفوظات ديوان الإنشاء الذي كان يعمل فيه إلى جانب مرويات أمهات الكتب في مختلف ميادين العلم والأدب في أربعة عشر مجلدًا (راجع في ذلك المقدمة الثانية من كتاب: "المقدمات العشر لقراءة وكتابة التاريخ"، تأليف: عبد الناصر الدياسطي) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية