التراث والتجديد من منظور السلفية (3) تطبيقات سلفية على أعمال تراثية
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
وشهد هذا التاريخ الطويل من التدوين وجود مؤرخين قاموا بتشويه تاريخ المسلمين؛ في مقدمتهم أهل البدع والأهواء، مِن: الشيعة الرافضة، والباطنية الغلاة، والشعوبيين، وقد راجت كتاباتهم على الكثيرين، وتلقفها أعداء الإسلام في عصرنا الحاضر من المستشرقين والمبشرين، ومَن على دربهم مِن العلمانيين والقائلين بالحداثة.
ويمكن التعرف على هؤلاء المؤرخين من خلال دراسة التراث التاريخي على منهج السلف الصالح في ضبط الرواية والإسناد، ومن خلال دراسة سيرتهم الشخصية، وما كانوا عليه من مناصرة أهل الأهواء والبدع الضالة.
ومن أمثلة هؤلاء المؤرخين الذين شَوَّهوا بأكاذيبهم تاريخ المسلمين:
- أبو مخنف لوط بن يحيى: وهو وإن لم يصل لنا مِن كتبه شيء، لكن مروياته اعتمد عليها مؤرخون كبار بلا تمحيص: كالطبري، وابن الأثير، وقد تعدَّت رواياته في تاريخ الطبري 550 رواية؛ هذا رغم كونه شيعيًّا متعصبًا، بل هو عند الشيعة مِن أعظم مؤرخيهم، ورغم كونه عند علماء الجرح والتعديل ضعيفًا ليس بثقة؛ قال عنه يحيى بن معين: "ليس بشيء"، وقال عنه الدارقطني: "أخباري ضعيف".
وكان أبو مخنف حريصًا على تصوير الصحابة رضي الله عنهم على أنهم يتنافسون على السلطة، ويتقاتلون عليها، مشوِّهًا بذلك صورة صدر الإسلام.
قال ابن تيمية رحمه الله: (أما جمهور المصنفين في الأخبار والتواريخ والسِّيَر، والفتن، من رجال الجرح والتعديل، فمنهم مَن هو في نفسه متهم أو غير حافظ: كأبي مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن السائب الكلبي، وإسحاق بن بشر، وأمثالهم من الكذابين، بل الواقدي خير من ملء الأرض مثل هؤلاء، وقد عُلِم ما قيل فيه -أي: الواقدي-) (راجع: "مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري" ص 44، نقلًا عن مجموع الفتاوى لابن تيمية، 1/ 16، والمقدمة الرابعة من المقدمات العشر للدياسطي) .
والواقدي وإن كان أفضل حالًا من أبي مخنف بكثيرٍ، وسارت بمصنفاته الركبان، ولا يُستغنَى عنه في المغازي؛ إلا أنه ليس بثقة؛ فهو متهم بالكذب، فيه تشيع مع تقية، يروي أخبارًا تتفق مع تشيعه؛ خَلَط الغث بالسمين، ويروي عنه مجاهيل؛ لذا فمروياته تحتاج إلى مزيد تحقيق وتدقيق.
- محمد بن السائب الكلبي: وقد ذُكِر في أمهات كتب التاريخ باعتباره من أشهر الرواة، له روايات عند الطبري؛ روى أخبار المعارك في عهد علي ومعاوية رضي الله عنهما، وفي بني أمية، منها: أخبار المختار الثقفي، وابن الأشعث، وعُرِف بالتشيع، واتُّهِم بالكذب؛ فلا يحتج برواياته.
قال ابن حجر رحمه الله: "متهم بالكذب ورُمِي بالرفض".
وقال ابن حبان: "سبئي".
وقال ابن معين: "مذهبه في الدِّين ووضوح الكذب فيه، أظهر مِن أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه، ولا يحل ذكره في الكتب؛ فكيف بالاحتجاج به؟!".
وقال الثوري: "اتقوا الكلبي.
وقال ابن الجوزي: "لا يحل الاحتجاج به".
- سيف بن عمر التميمي: له مؤلفات كثيرة، وقد اشتهر بسبب اعتماد الطبري عليه في التاريخ؛ روى الطبري عنه أكثر من 800 رواية، ويتشبث برواياته بعض المستشرقين، وهو متهم بالكذب، ووضع الأخبار المكذوبة، وقد ذكر شناعاتٍ عن أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يحتج بما انفرد به من الروايات.
قال فيه يحيى بن معين: "ضعيف الحديث".
وقال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الأثبات، اتهم بالزندقة، وكان يضع الحديث".
وقال الحاكم النيسابوري: "متروك الحديث، اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط" (راجع: المصدر السابق) .
وهذا كله يبيِّن مدى حاجتنا لإعادة النظر في تراثنا التاريخي، وحذف كل ما وقع فيه من تشويه أهل الأهواء قديمًا وحديثًا.
وللحديث بقية إن شاء الله.
