شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التراث والتجديد من منظور السلفية (3) تطبيقات سلفية على أعمال تراثية

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتقوم الدراسات ذات المرجعية السلفية في التعامل مع التراث عبر التاريخ على الجمع بين التصور الصحيح للإسلام كما كانت عليه القرون الخيرية، مع الوعي بواقع العصر الذي يعيشه الدارس.

ويزخر التاريخ الإسلامي عبر العصور بصور تطبيقية لدراسات سلفية لأعمال تراثية، وقد أخذت تلك الدراسات السلفية للتراث مسالك متنوعة، منها:

1- دراسات لقضايا وردت في الأعمال التراثية:

حيث يتم تقرير القضية التي تناولها هذا العمل التراثي وَفْق صورتها الشرعية الصحيحة كما وردت في النصوص الشرعية في الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، والاستشهاد عليها بما ورد من قبل في تراث الأمة السلفي من كتابات وأقوال السلف الصالح، وأئمة الأمة المعتبرين، ثم القيام ببيان مواقف الفئات المخالفة في تلك القضية وأدلتهم، والرد عليها، ثم يؤخذ من هذا العمل التراثي ما يوافق الصورة الشرعية ولا يضادها، ويترك منه ما كان مصادمًا للشرع ولا يوافقه.

وهذه القضايا قد تكون قضايا منهجية، ومِن أبرز صور التعامل السلفي مع القضايا التراثية المنهجية: مؤلفات ابن تيمية في الرد على كتابات مَن سبقوه مِن أئمة علم الكلام في تقديم النقل على العقل: كالرازي، والجويني، وغيرهما، يتجلَّى ذلك في كتابه: (درء تعارض العقل والنقل)، والذي بناه على تحليل القاعدة المنهجية لعلماء الكلام، وهي تقديم العقل على النقل، ثم نقدها في إطار الكتاب والسنة، ومنهج وعقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين.

وقد تكون تلك القضايا قضايا موضوعية، تتناول موضوعات عقائدية: كإثبات وجود الله تعالى، أو القول بخلق القرآن، أو الخوض في أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى.

ومن أمثلة ذلك: كتاب: (العقيدة الواسطية) لابن تيمية، حيث يقرر القضية وَفْق صورتها الشرعية الصحيحة، ويسوق النصوص عليها، ويستشهد لها بما ورد في تراث السلف الصالح، ثم يبيِّن الفِرَق المخالفة وأدلتهم، ومِن ثَمَّ نقد أقوالهم.

ويعد ابن تيمية أبرز مَن يُقتدَى به في تناول الأعمال التراثية بالمنظور السلفي؛ إذ استوعب تراث مَن سبقوه؛ خاصة في ميادين العلم الشرعي المختلفة على كثرة ما كان فيها مِن انحرافاتٍ عقديةٍ صارت عند الكثيرين هي الأصل، وعاد معها الأصل الصحيح مستنكرًا!

فجاء ابن تيمية؛ فقرر في كلِّ القضايا التي تناولها بالدراسة، الصورة الشرعية الصحيحة، وساق عليها النصوص وعشرات النقول عن أئمة السلف الصالح، ثم نقد بها كتابات وآراء المخالفين.

ومن أمثلة ذلك أيضًا في تناول القضايا الموضوعية: تناول ابن القيم رحمه الله لقضية (السَّيْر إلى الله تعالى بالأعمال القلبية) التي تناولها أبو إسماعيل الهروي في كتابه: (منازل السائرين) الذي سبق به ابن القيم بنحو قرنين من الزمان، وتضمن بعض البدع والشطحات الصوفية التي تأثر بها كثيرون بعده، فعمد ابن القيم إلى الدراسة التحليلية لهذا الكتاب، ونقده مِن منظور المرجعية السلفية.

وقصة الكتاب: أن أبا إسماعيل الأنصاري الهروي الصوفي المتوفى عام 481هـ (أي: في القرن الخامس الهجري) ألَّف كتابًا بعنوان: (منازل السائرين)، قَسَّم فيه طريق سير المؤمن إلى الله إلى مائة منزلة، لكلِّ منزلة ثلاثة مفاهيم: مفهوم للعوام، ومفهوم للخواص، ومفهوم لخاصة الخاصة -على طريقة الصوفية-، وقد تكلَّف في هذه المفاهيم؛ فوقع في شطحات صوفية، مع أن للهروي كتبًا سلفية وردود على المنهج الكلامي.

فجاء ابن القيم المتوفى عام 751هـ (أي: في القرن الثامن الهجري)؛ فوجد أن بعض أهل البدع من الصوفية ممَّن يروجون لبعض البدع والشطحات الصوفية يستشهدون بكلام الهروي في كتابه: (منازل السائرين) على بدعهم وشطحاتهم؛ عندها رأى ابن القيم أن يقوم بدراسة تحليلية تفسيرية لكتاب منازل السائرين، هذا العمل التراثي في عصره، كي يغسل عن الكتاب ما فيه من وضر الصوفية، فكان كتابه: (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد إياك نستعين) في مجلداته الثلاثة.

لقد أراد ابن القيم مِن دراسته التحليلية لكتاب هذا العَالِم أن ينقذه من بعض الانحرافات المنهجية ومن التفسيرات التي حملها عليه أصحاب الشطح الصوفي، إلى تفسير يتسق مع المنهج الإسلامي في العلاقة بالله تعالى، ومع النظرة الصحيحة للحياة؛ فإذا أقبل المحبون للهروي على كتابه من خلال هذا التفسير الصحيح، كان دليلهم نحو الحق والهدى.

(ومع ذلك تبقى الموضوعية والمعيارية الشرعية هي الأصل؛ فقد يقف ابن القيم أمام عباراتٍ للهروي تأبى التفسير وَفْق المنهج الإسلامي السوي؛ فهل يتمادى إلى تأويل ما لا يحتمل التأويل بما يوافق الشرع ولو كان على حساب الموضوعية، أي: ولو كان بإسقاطٍ لا تقبله عبارة الأصل، أي: بتحريف المدلول، أو يتخذ الموقف المعاكس، وهو: أخطر؛ بأن يبرر مراد الشيخ ولو كان خلاف الحق؟!

كلا، إن مرجعية ابن القيم السلفية تأبى عليه كلا المسلكين، فيعلنها صريحة أنه مع الحق، وأن الحق خلاف عبارة الهروي.

ومن أمثلة ذلك: عند كلام الهروي في منزلة الرجاء: أن الرجاء وقوع في الرعونة، قال ابن القيم: شيخ الإسلام -يعني الهروي- حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل مَن عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك، ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله، ثم نبيِّن ما فيه) (مدارج السالكين، 2/ 37 بتصرفٍ، وراجع: السلفية وقضايا العصر، ص 359).

(ولكن هل إدانات ابن القيم السلفي لشطحات الهروي تحمله على الإدانة الشاملة لفكره كله أو للهروي نفسه؟ كلا، إنه يعترف بكلِّ ما للهروي من عِلْم حَسَن، وأفكار متسقة مع المنهج الإسلامي، والمنطق العقلي السليم، كما أنه يرجو للهروي أن يكون ما قدَّمه مِن عمل صالح وعلم نافع يكفِّر شطحاته تلك، فما وقع فيه الهروي (من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمال الصدق، وصحة المعاملة، وقوة الإخلاص، وتجريد التوحيد، ولم تُضمَن العصمة لأحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم) (مدارج السالكين 2 /39، وراجع: السلفية وقضايا العصر، ص 359- 360) .

2- دراسة الشخصيات التي لتراثها أثر في حياة المسلمين:

الصفحة التالية