الأزمة الاقتصادية (آثار - أسباب - علاج)
عبد الرحمن شريف الهواري • قضايا معاصرة
ومعنى الآيات -وغيرها كثير في القرآن-: أن الله -تبارك وتعالى- هو الرب الخالق المدبر، المعطي المانع، الخافض الرافع، القابض الباسط، المقرِّب والمبعد؛ بيده الرزق فهو الرزاق، وعن علم وحكمة ومعرفة بعباده، فهو -سبحانه وتعالى- عليم بما هو أصلح لعباده؛ لذلك يبسط لمَن يشاء، ويمنع عمَّن يشاء، لحكمة يعلمها -سبحانه وتعالى-، كما جاء في الحديث المروي: "إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْته لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْته لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا السَّقَمُ، وَلَوْ أَصْحَحْته لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ؛ إنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي، إنِّي بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ" (رواه البغوي وغيره، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة) .
فالجهل بهذه المعاني التي ذكرنا؛ لهو مِن أكبر الأسباب التي تسببت في الحالة التي نشتكي منها.
?- الذنوب والمعاصي:
لقد بيَّن -سبحانه وتعالى- في أكثر من موضع في كتابه: أن الذنوب والمعاصي هي أساس كل مصيبة وفساد في الأرض، حيث قال: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (الشورى: 30) ، وقال أيضًا: ( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) (آل عمران: 165) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) (الروم: 41) .
أما عن السُّنة فالأحاديث في هذا الباب كثيرة، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يا مَعْشَرَ المهاجرينَ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ: لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ؛ حتى يُعْلِنُوا بها؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا، ولم يَنْقُصُوا المِكْيالَ والميزانَ إِلَّا أُخِذُوا بالسِّنِينَ وشِدَّةِ المُؤْنَةِ، وجَوْرِ السلطانِ عليهم، ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا، ولم يَنْقُضُوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عَدُوَّهم من غيرِهم، فأَخَذوا بعضَ ما كان في أَيْدِيهِم، وما لم تَحْكُمْ أئمتُهم بكتابِ اللهِ -عز وجل- ويَتَخَيَّرُوا فيما أَنْزَلَ اللهُ إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم ) (أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: ( إذا تبايعتُم بالعينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرعِ وترَكتمُ الجِهادَ سلَّطَ اللَّهُ عليْكم ذُلًّا لاَ ينزعُهُ حتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) (أخرجه أبو داود، وصححه الألباني) .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما نزل بلاءٌ إلّا بذنب، ولا رُفِع بلاءٌ إلّا بتوبة" ( طريق الهجرتين لابن القيم ) .
ومن هذه الذنوب:
- الإعراض عن منهج الله -تبارك وتعالى-: قال -تعالى-: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (طه: 124) .
- الربا: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) (البقرة: 278-279) ، وما نتيجة هذه الحرب؟ يقول تعالى: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة: 276) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- ( مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا، إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ ) ( أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني ) .
- عدم شكر النعم: قال -تعالى-: ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (النحل: 112) .
?- الفساد المستشري في أوساطنا: قال -تعالى-: ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (البقرة: 205) ، وكذلك: ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (المائدة: 64) ، وقال أيضًا: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس:81) ، حيث تكون جهود وطاقات وإمكانات مبذولة، ولكنها تسقط في بالوعات الفساد.
?- الظلم والبغي: قال -تعالى-: ( وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) (الأنبياء: 11) ، وقال أيضًا: ( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (النمل: 52) ، وقال -تعالى-: ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ) (الكهف: 59) ، وقال أيضًا: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود: 102) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ) ( أخرجه أبو داود، وصححه الألباني ) .
?- الإسراف والتبذير: قال -تعالى-: ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) (الإسراء: 27) ، والمتأمل يجد صورَ الإسراف -للأسف الشديد- أصبحت ظاهرة في الطعام والشراب، وفي الملبس، وتتبع الموضة، في الزواج وإقامة الأفراح، في اللعب، وفي العديد من المجالات الأخرى؛ حيث تجد في كلِّ ذلك، وفي غيره إسرافًا رهيبًا، وتبذيرًا شديدًا.
ثالثًا: علاج الأزمة الاقتصادية:
