شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأزمة الاقتصادية (آثار - أسباب - علاج)

عبد الرحمن شريف الهواري • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما لا يخفى على أحدٍ أن الأزمة الاقتصادية اليوم تعصف بالعالم شرقًا وغربًا، وهذه الأزمة الشديدة انشغل بمعرفة أسبابها وسبل مواجهتها الجميع؛ بداية من الشعوب، مرورًا بالسَّاسة وأصحاب القرار، وأرباب الفكر والاقتصاد، ولكن هذه الأزمة تستوجب منا وقفاتٍ لبيان بعض الجوانب الشرعية المهمة المتعلِّقة بها، ومن منطلق الشعور بالمسؤولية، وحرصًا منا على البلاد والعباد، كانت هذه الكلمات؛ حتى يُصحح المسار، ونصل إلى برِّ الأمان جميعًا.

وهذه الأزمة شأنها كشأن أي مشكلة، لها آثار سلبية مترتبة عليها -وقلنا: "سلبية"؛ لأنه توجد آثار إيجابية-، وكذلك أسباب حدوثها ووقوعها، وفي النهاية البحث عن سبل علاجها، وكيفية التخلص منها.

أولًا: الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية:

الآثار السلبية للأزمة متعددة، منها: آثار عقدية، وأخرى سلوكية، وكذلك اجتماعية وسياسية.

1- الآثار السلبية العقدية، ومنها: كثرة الشكاية، والتسخط والاعتراض، فقد أُصِيب كثير من الناس بالهلع والجزع، والفزع والقلق، وكذلك تدخل الشيطان -لكونه فقيهًا في الشر-؛ فأوقع الكثير من الناس مستغلًا هذه الأزمة، حيث أوهم البعضَ بالذهاب إلى العرافين والدجالين والمشعوذين، ومنهم مَن أوهمه أن الحلَّ في دعاء الأولياء، وطلب تفريج الكربات منهم؛ بادِّعاء أنهم يُديرون شؤن هذا الكون ويتصرفون فيه، فكان طلب المدد وكشف الضر، والدعاء، ولبَّس على آخرين بالجرأة على الحرام، بل وتحليله، وهذا ولا شك خلل عقدي رهيب، فمِن الناس مَن تعامل بالربا وسمَّاه بغير اسمه، ومنهم مَن نصب وسرق، واحتال، وبغى وظلم!

2- الآثار السلبية السلوكية: فقد انحرفت السلوكيات لدرجة تدمي القلوب، ورأينا أخلاقيات لا تليق بسلوك المسلم أبدًا، مثل: خُلْف العهد والوعد، والكذب، والاستغلال، والاحتكار المشين، والذي عَدَّه السلف من الأخلاق المذمومة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌لَا ‌يَحْتَكِرُ ‌إِلَّا ‌خَاطِئٌ ) (رواه مسلم) ، وقال أيضًا: ( ‌مَنِ ‌احْتَكَرَ ‌طَعَامًا ‌أَرْبَعِينَ ‌لَيْلَةً؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ ) (رواه أحمد، وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح") ، وعن عمر- رضي الله عنه- قال: "الجالِبُ ‌مَرزوقٌ، ‌والمُحْتَكِرُ ‌مَحْرُومٌ، ‌ومَن ‌احْتَكَرَ ‌على ‌المسلمين ‌طَعَامًا؛ ‌ضربه ‌الله ‌بالإفلاس، ‌والجُذام" ( جامع الأصول ).

?- الآثار السلبية الاجتماعية: أما عن الآثار الاجتماعية؛ فحدِّث ولا حرج، فإن ما يحدث في أوساط المسلمين -اليوم- مِن الخلل المجتمعي مخيف، حيث صرنا نرى في المجتمع تناطحًا، وتناحرًا، وتقاطعًا؛ فقد دُمِّرت بيوت، وقُطِّعت أرحام، وعُطلت واجبات وحقوق، وأصبح المجتمع هشًّا ضعيفًا -للأسف الشديد-.

?- الآثار السلبية السياسية: إذا نظرنا إلى هذه الأزمة سياسيًّا؛ سنجد أنها تسببت في حروب وتحزبات وتكتلات، فالمتأمل في العالم اليوم يجد أنه يُعيد خَنْدَقَة نفسه من جديد، ولا يخفى عليكم حجم المؤامرات الدولية لإسقاط الدول لتركع للشرق أو للغرب، حيث توجد حروب علنية تكاد تتحول إلى حروب عالمية -روسيا وأوكرانيا نموذجًا-، والأخطر هو: وجود حروب خفية تسعى لإسقاط عملات، وأشخاص، واقتصاد دول؛ بهدف التحكم فيها والسيطرة عليها.

ونحن كمسلمين كيف يحدث لنا هذا، ونحن نملك مقومات أعظم اقتصاد في العالم؟! حيث نمتلك أفضل موقع بين الأمم، وأكبر رصيد من الثروات الطبيعية، والعمالة المتميزة، وأنسب طقس في العالم، ومع ذلك هذا حالنا في ذيل القائمة! والله المستعان.

ثانيًا: أسباب الأزمة الاقتصادية:

الأسباب التي أدَّت إلى هذه الأزمة عديدة ومتنوعة منها:

?- ضعف المعرفة بالله -تبارك وتعالى-، أو قل: الجهل بربوبيته -عز وجل- وأسمائه وصفاته:

يكفي أن الله تبارك وتعالى من قبل أن يخلق السماوات والأرض خلق القلم، فقال: اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب كل ما هو كائن إلى قيام الساعة -كالأرزاق، والأحوال، والآجال، وغيرها- فجرى القلم بما هو كائن، وتحدَّث -سبحانه وتعالى- في كتابه عن قضيه الرزق رابطًا بينها وبين قضية الإيمان بربوبيته وأسمائه وصفاته، فقال -عز وجل-: ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ‌الرِّزْقَ ‌لِمَنْ ‌يَشَاءُ ‌وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (سبأ: 36) ، وقال أيضًا: ( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ‌الرِّزْقَ ‌لِمَنْ ‌يَشَاءُ ‌وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) (الإسراء: 30) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ ‌الرِّزْقَ ‌لِمَنْ ‌يَشَاءُ ‌وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (الشورى: 12) ، وقال -تعالى-: ( ‌وَلَوْ ‌بَسَطَ ‌اللَّهُ ‌الرِّزْقَ ‌لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) (الشورى: 27) ، وقال أيضًا: ( ‌وَكَأَيِّنْ ‌مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (العنكبوت: 60) ، وقال -سبحانه-: ( ‌اللَّهُ ‌لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) (الشورى: 19) .

الصفحة التالية