مخالفات العلمانية لعقيدة المسلمين (2-2)
ياسر عبد التواب • مذاهب فكرية في الميزان
وفى الحديث المتفق عليه من معاذ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِى حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) (متفق عليه) .
فالعبادة هي حق الله على خلقه، والمطلوبُ فيها أن يؤدي العبد ما أمره الله -تعالى- مستحضرًا كمال الحب مع كمال الذل والخضوع لله.
فيؤدي الشعائر التعبدية من الصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء والنذر وغير ذلك لله -تعالى-، كمثل ما أمر الله من غير زيادة ولا نقصان، مع كمال الحب وكمال الذل.
وكذلك يفرد الله بكمال الخضوع لأمره ونهيه، واتباعه فيما أحل وحرم، فإن أمر بجهاد جاهد، أو أمر بمعاداة الكفار والتبرؤ منهم فعل، أو أُمرت المرأة بحجاب امتثلت. وإن نُهي المسلمُ عن الربا والزنا والسرقة والفواحش بادر بالترك. وكل هذا من كمال العبودية لله.
والعلمانية لا تفعل ذلك بل هي: "حكم الشعب" فما رآه الشعب حسنا فعلوا، وإلا تركوه وراءهم من غير نظر؛ لكون ذلك من أمر الله أو من غيره، والشعب في أغلبه تابع لكل ناعق، فأنى له أمر يهدي إلى هدى؟
أعمى يقودُ بصيرًا لا أبًا لكمُ قد ضلَّ من كانت العميانُ تهديه
قال -تعالى-: ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام:16) .
فالانقياد لله -عز وجل- والتزام طاعته هو أحد ركني العبادة، فمن زعم حب الله وتصديقه، ولكنه رفض الطاعة له والانقياد لأمره، واختار لنفسه طريقًا آخر مضادًا للصراط المستقيم الذي شرعه الله وأمر باتباعه، واتخذ ذلك منهجًا ثابتًا، ودَيْدَنًا مضطرِدًا، يوالي عليه ويعادي عليه؛ فقد ضادَّ الله في أمره، وجعل نفسه ندا للذي خلقه.
وقد روى الحافظ ابن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا: نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا وَلاَ نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) (الأنعام:121) . (قال الألباني: صحيح، لكن ذكر اليهود فيه منكر، والمحفوظ أنهم المشركون) .
قال ابن كثير: ( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) ، أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم غيره عليه، فهذا هو الشرك .
قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:44) .
وقال -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (المائدة:45) .
وقال -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (المائدة:47) .
وقال -تعالى-: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة:50) .
وقال -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) .
وقد جاءت الشريعة مفصلة لذلك التحاكم، وكل متصفح لكتاب من كتب الفقه -مثلاً-؛ سيجد العلاقة حتمية بين الحكم وبين الدين.
فَمَنْ الجهة التي ستتولى أخذ الزكاة وتوزيعها على مستحقيها كما أمر الشرع؛ أليس هذا تحاكم لشرع الله؟
كيف يستثمر المسلم أمواله، بحيث لا يقع في ربا، أو في بيع محرم، أو في صورة نهى عنها الشرع، كبيع العينة والعربون وغير ذلك، أليس في ضبط هذا وفق الشرع حتمية تلزم التحاكم التي شريعة الله؟
أين تذهب أبواب القصاص، والحدود والجنايات، والمواريث والديات؟ أنعطلها أم نؤولها أم ماذا نفعل فيها؟
أليس في تطبيقها على أرض الواقع إذعانٌ واجبٌ لحكم الله؟
وقـُلْ مثلَ ذلك في أبواب الزواج والأسرة وأحكامهما، والجهاد والعلاقات مع الأمم الأخرى، وضوابط العهود معها، ومن ذلك -أيضًا- العقيدة ومقتضياتها من إيمان بالله وكفر بما سواه، وولاء وبراء، ومحبة لأهل الإيمان، ومقتضيات ذلك، وبغض لأهل الكفر ومقتضيات ذلك.
فهل يعقل أن نقول لدين الله مرحبًا بك في الأمور التعبدية كالصلاة والصيام والحج، أما غير ذلك مما أشرنا إليه فنعتذر على الالتزام به؟!
ف ن كون مثل اليهود الذين ذمهم الله لتركهم لبعض أحكام دينهم فقال عنهم: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون ) (البقرة:85) .
وعجبًا لذلك الخزي الذي يلاحق أولئك الذين تَبَنَّوا العلمانية منهجًا في ديار المسلمين!
خذ مثلاً: "تركيا"، التي استبدل حكامُها شريعة الجاهلية بشريعة الله، وقد كانت من قبل حاضرة العالم الإسلامي، وقائدة الخلافة التي كانت على ضعفها، ترهب الغرب، ويحسبون لها ألف حساب.
فإلى أي حال صارت "تركيا" بعد تنحية منهج الله والأخذ العلمانية؟ لقد صارت ضيفًا ثقيلاً يتسوَّل من أوروبا أن ينضم تحت لوائها، وتقدِّم القرابين كرهًا وطوعًا؛ عسى أن تنال رضا القوم، لكنهم -بنظرتهم العلمانية البرجماتية- يرفضون انضواءها تحت مسماهم، ويعلنونها صريحة أن السبب في كونها دولة مسلمة!
وقل مثل ذلك في البلاد العربية التي تبنت نفس النهج، فآل أمرها إلى هزال سياسي، وفشل عسكري، وتسوُّل على موائد المعونات والمساعدات، والانصياع لأمر الغرب كرهًا وطوعًا أيضًا.
هذا وفي المخالفات العقدية لبدعة العلمانية:
