مخالفات العلمانية لعقيدة المسلمين (2-2)
ياسر عبد التواب • مذاهب فكرية في الميزان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالعلمانية فكرة نشأت في غير ديارنا، وسببُها: الظلم والتسلط، والانحراف الذي ابتلي به الغرب بسبب سلوك الكنيسة وتحريفها لدين الله، وبسبب ما يُسمى بقرارات المجامع الكنسية التي أفسدت دينهم بدء من ادعاء ألوهية المسيح، وانتهاء بتبرئة اليهود من دمه المزعوم!
وهو ما لم تمر به الأمة الإسلامية، لا في الانحراف، ولا في التسلط، لكننا ابتلينا بتسلط فرضه الغرب بقوة السلاح، أو بدهاء المحتل وبغزوه الفكري، فوجدنا من يروِّج لتلك العلمانية في بلادنا، ومن يراها الحل لمشاكلنا والمنهج لحياتنا؛ فيقطعون صلتنا بديننا الذي هو عصمة أمرنا، وحبل الله لنا الذي من تركه؛ هوى، ومن حاد عنه؛ ضل.
لذا؛ فقد رأيت أن أذكر -بإيجاز- بعض المخالفات العقدية للفكر العلماني القائم على فصل الدين عن الحياة، ومن ذلك:
أ- مخالفة العلمانية لربوبية الله -تعالى-:
من معاني كلمة "رب": السيادة والملك، ومن تمام الملك: أن ينفذ حكم "الملك" فيما يملك قال -تعالى-: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الفاتحة:1) أي: سيد العالمين ومالكهم وخالقهم ورازقهم، ويقول -تعالى- بعد وصفه ليوم القيامة: ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (غافر:16) .
وكما أن لله -تعالى- الخلق، فلا ينازعه في ذلك أحد بإدعاء الخلق، فإن له كذلك الأمر قال -تعالى-: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:54) ، فلِلَّهِ الأمرُ أي الحُكم، كما أن لله الخلق.
والأمر في الشرع يأتي بمعنيين:
1- أمر في تدبير الخلق ورزقهم:
وهذا لا ينازع الله فيه أحد كمثل ما قال -تعالى-: ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (السجدة:5) .
وكمثل ما قال -تعالى-: ( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) (مريم:64) ، حكاية من الملائكة، وكمثل قول -تعالى-: ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا ) (الأحزاب:37) ، ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ) (الأحزاب:38) .
كمثل قوله -تعالى-: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (يس:82) ، وكمثل قوله -تعالى- في حفظه للبشر: ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) (الرعد:11) ، أي: بأمر الله.
2- الأمر الشرعي:
أي: ما يأمر الله به عبادة من الحلال والحرام، وسائر الشرائع، وذاك الذي تنازع فيه العلمانية، وكل من اتخذ إلهًا يعبده من دون الله؛ لذا فقد قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) (هود:96-97) ، فنازع فرعونُ في الحكم الشرعي، وما أتاهم بأمر رشيد.
وكمثل ما حكى الله -تعالى- في القرآن عن قوم صالح: ( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) (الأعراف:77) .
وكمثل ما كره المنافقون التكاليف الشرعية: ( حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ) (التوبة:48) .
وقد قال -تعالى- عن اليهود والنصارى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (التوبة:31) . وجاء عدي بن حاتم -وكان نصرانيًّا-، وقال: يا رسول الله: "إنا لسنا نعبدهم". فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا؛ اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا؛ حَرَّمُوهُ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
وما أشبه الليلة بالبارحة! فكما كره هؤلاء التزامَ حكمِ الله، وامتثالَ أوامرِه، وبدلوها واتبعوا بذلك أهواءهم وما تشتهى أنفسهم؛ جَرْيًا وراء مصالحهم، ومُجاراة لنُظُمِهم؛ فإن العلمانية وأتباعها يفعلون الشيء نفسه.
فإذا جاءهم أمر الله وقيل لهم: ( وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) (الشعراء:151-152) ، فإنهم ينبذون كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ويتبعون نِتاجَ عقول تختلف فيه الآراء، وتتباين فيه الأفهام، وتتضارب مصالح واضعي القوانين مع مصالح مستخدميه.
يتركون خطابَ الله لخطاب مخلوقاته، ولقول القائل: ( مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (غافر:29) ، بل ويتبجحون بأن ما صاغوه لأنفسهم هو الحضارة والمدنية، وأن المؤسسات القائمة على تجاهل حكم الله هي مؤسسات "المجتمع المدني".
وفى المقابل فإن حكم الله تخلف ورجعية وأصولية، ويصمونه: "بالثيوقراطية"، وحكم الحق الإلهي، أو الحكم الديني، بنفس المصطلحات التي تداولها قبلهم علمانيو الغرب، واصفين أحوال أحبارهم ورهبانهم الذين أذاقوهم ويلات التسلط باسم الدين، متناسين أو ناسين أن ليس للإسلام من ذلك من شيء.
فالإسلام يوجب على المسلم تحقيق توحيد الربوبية للذي قال له: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:54) ، فيعلم أنه يجب عليه الإيمان بالله من أمر كوني تدبيري، وما له -تعالى- من أمر شرعي، فيكون بذلك قد أتى بالإيمان بربوبية الله على وجهها الصحيح ( بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا ) (الرعد:31) ، ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُون ) (الجاثية:18) .
ب- مخالفة العلمانية لمفهوم ألوهية الله:
فمعنى الإله: المعبود.
والألوهية: العبودية.
قد جاء الأنبياء جميعًا لأقوامهم بقول واحد: ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (الأعراف:85) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ) (البينة:5) .
