التراث والتجديد من منظور السلفية (4) (الحداثة والتراث)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
ويذهب الحداثيون المصريون إلى التخلي عن عنوان: (تجديد التراث)، ويقدِّمون عليه عنوان: (التراث والجديد)؛ لأن (تجديد التراث يعني التعامل مع التراث القديم كحقيقة موضوعية قابلة للتجديد، مع المحافظة على بقاء الأصول ثابتة، كما هو الحال في كلِّ عمليات التجديد؛ بمعنى أن نفرِّق في دائرة الموروث بين ثوابت وبين متغيرات، نستبقي الأولى كما هي، وننطلق في ضوء بقائها وثباتها إلى تجديد الثانية، ونحقق من خلالهما معًا حركة التطور، أو ما يسمى: (الأصالة والمعاصرة)، لكن التجديد بهذا المعنى لا يحقق الأهداف المقصودة لمدرسة (التراث والتجديد)؛ لأن التراث في هذه المدرسة هو نقطة البدء، أما التجديد فهو إعادة تفسير التراث حسبما تقتضي متطلبات العصر وحاجاته).
فالتجديد هو الغاية، والتراث (ليس هدفًا تتحرك في إطاره إعادة البناء)؛ لذا فعندهم (أمر طبيعي أن يتجرد التراث حالتئذٍ مِن كلِّ قيمة ذاتية أو خصائص ثابتة، لا على مستوى الأصول ولا على مستوى الفروع) (المصدر السابق، ص 28-29 بتصرفٍ) .
فهؤلاء لا يرون التراث هو الكتب المطبوعة، ولا هو الحقائق المستقلة القادمة من الماضي لتغير الواقع، بحيث لو شكَّل الواقع خطرًا عليها يجب الدفاع عنها في مواجهة الواقع؛ هذا عندهم مرفوض؛ لأن التراث نفسه هو تعبير عن واقع سابق كان في الماضي، فهذا الواقع السابق هو جزء من مكونات هذا التراث، والناس يحملون هذا التراث كمخزون نفسي، فهم الممثلون للتراث أو الحاملون لتأثيرات التراث، لا فارق في ذلك بين تراث شعبي من فنون الغناء والقصص الشعبية: كأبي زيد الهلالي مثلًا، وبين التراث الديني في تكوين نفسية الجماهير، فكلاهما رافد من روافد ثقافة الأمة، وعنصر مكوِّن لنسيج هذه الثقافة (وغاية ما هنالك أن هذا فن ديني وذاك فن شعبي!).
يقول د. "أحمد الطيب" شيخ الأزهر في ردِّ هذا التصور الفاسد للتراث: (إن هذه التسوية تهدف إلى تحطيم متعمد للحواجز الفاصلة في نفوس الجماهير بين جانب مقدس وجانب لا يحظى بأي صورة من صور التقديس، وإن حظي باهتمام الجماهير ولهوها به ليل نهار).
ويضيف منكرًا: (ومن الغريب حقًّا أن صاحب (التراث والتجديد) بالرغم أنه لا يكف عن دعوى أحقيته في الحديث عن الجماهير والدفاع عنها؛ إلا أنه يتناسى أن الجماهير التي يتحدث عنها قد صمم فكرها وشعورها ووجدانها، ومخزونها النفسي على رفض هذا الخلط، وأنها لا تعرف فنًّا دينيًّا بالمعنى الذي صوَّره لنا صاحب (التراث والتجديد)، وإنما تعرف دينًا له قدسيته وحرمته في القلوب، وتعي الفرق الذي يتخطاه صاحب (التراث والتجديد) بين الدِّين كحقائق إلهية وبين قصص شعبي لا ندري إن كان مصدره واقعًا أو أساطير لا تمت إلى الواقع بأدنى صلة أو سبب).
ويضيف: (ومن الغريب غير المفهوم أيضًا: أنه بالرغم من تأكيد صاحب (التراث والتجديد) على أهمية الفنون الشعبية في نفوس الأمة وخطورتها التي تضارع خطورة الدين في وعيها وثقافتها؛ فإنه يصمت صمت القبور عن (الفنون الشعبية)، ولا يرى أنها مسئولة من قريب أو بعيد عن الواقع المتردي لجماهير الأمة، بينما يعود بالتأثير كله على القسم الديني فقط من هذا التراث، ويحمله المسئولية كاملة عن كل ما أصاب أمتنا في عصرنا الحديث من جهل وفقر وتخلُّف؛ مما يؤكِّد لنا: أن التنظير بين الدين -أو القرآن الكريم- وبين الفنون الشعبية في هذا الموضع لم يكن من التحليل العلمي الذي يتسق فيه استنباط النتائج من مقدماتها، بقدر ما كان محاولة لخلخلة قدسية الدين في نفوس الجماهير ليصبح معطى تاريخيًّا قابلًا -برمته- لإعادة التشكيل، لا كمعطى إلهي فيه الثابت الذي لا يتغير، والمتغير القابل للتجديد) (المصدر السابق، ص 31 - 32) .
التراث والواقع:
يرى الحداثيون أن التراثَ لا يستمد قيمته من كونه متعاليًا على الواقع الذي نحن فيه، وإنما يستمد قيمته من كونه يعكس الواقع الماضي الذي ظَهَر فيه، فالواقع الماضي الذي نشأ فيه التراث يعتبر بذاته جزءًا من ماهية هذا التراث، (والنتيجة الحتمية لهذه النظرة هي محدودية التراث في مرحلة تاريخية ارتبط بالتعبير عنها والتعامل معها، فإذا ما تخطاها الواقع وجب تغيير محاوره وإعادة تشكيلها حسب أنماط التغير الاجتماعي الجديد، حتى لو أدَّى الأمر إلى نشوء محاور تراثية جديدة تتناقض مع محاور التراث القديم) (المصدر السابق، ص 33) .
فأخص وصف للتراث عند أصحاب (التراث والتجديد) أنه منحصر في قياس نبض الواقع الذي ظهر فيه، وبالتالي ينتفي وصف الثبوت والاضطراد عن التراث مع تغير الواقع وتبدله.
ويرفض هؤلاء أن يكون للتراث مفاهيم كلية ثابتة يكون لها تأثير لتساهم في حلِّ مشكلات الحياة المعاصرة وإعادة تشكيل مفاهيم الواقع الجديد، فعملية التغيير عندهم تتم لصالح الواقع الجديد لا لصالح التراث على حساب الواقع الحالي المستقر؛ لأن الواقع عندهم هو المصدر الأول والأخير لكل فكر.
قال د. حسن حنفي رائد مدرسة (التراث والتجديد) في مصر: (ليس التراث موجودًا صوريًّا له استقلال عن الواقع الذي نشأ فيه، وبصرف النظر عن الواقع الذي يهدف إلى تطويره، بل هو تراث يعبِّر عن الواقع الأول الذي هو جزء من مكوناته) (المصدر السابق، ص 34 نقلًا عن كتاب: "التراث والتجديد"، د. حسن حنفي، ص 13) .
وقال أيضًا: (ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغير، بل هو مجموعة تحقيقات هذه النظريات في ظرفٍ معينٍ، وفي موقف تاريخي محددٍ، وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها، وتكوِّن تصوراتها للعالم) (المصدر السابق) ، ويجمل ذلك بقوله: "إن الواقع هو المصدر الأول والأخير لكلِّ فكرٍ) (المصدر السابق) .
وهذا يعني بوضوح أن التراث يعود إلى مصدر مادي هو الواقع الذي نشأ فيه، وعليه:
- فالتراث الإسلامي القديم ارتبط بواقعه الذي نشأ فيه زمانًا ومكانًا ارتباطًا عضويًّا.
- أن الواقع هو مصدر التراث، والتراث جزء من الواقع.
- التراث ليس حقيقة موضوعية دائمة، وإنما تعبير عن موقف تاريخي محدد، وعن تصور معين لجماعة خاصة.
