شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التراث والتجديد من منظور السلفية (4) (الحداثة والتراث)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

وعلى هذا التفسير والفهم للتراث عندهم (يصبح من اللازم وقد تغيَّر الواقع مرارًا عديدة أن يكون لنا الآن تراث مختلف يعبر عن واقعنا الذي نعيش فيه، وأن يكون تراثنا القديم المرتبط مرحليًّا بواقع مضى وتولى قد ذهب هو الآخر مع واقعه الذي تخطاه التاريخ) (المصدر السابق، ص 35) ، وهكذا يفرض على تراثنا الإسلامي أوصاف وأحكام تضاد حقيقة هذا التراث.

ويصل الشطط بهؤلاء إلى تصور أن وجود أسباب نزول للآيات ووقوع نسخ لبعض أحكام الشريعة في عهده -صلى الله عليه وسلم- يؤكِّدان تبعية التراث للواقع في زمنه، وارتباط التراث بالواقع قوة وضعفًا.

يقول رائدهم: (ما عَبَّر عنه القدماء باسم أسباب النزول؛ لهو في الحقيقة أسبقية الواقع على الفكر ومناداته له، كما أن ما عبَّر عنه القدماء باسم الناسخ والمنسوخ ليدل على أن الفكر يتحدَّد طبقًا لقدرات الواقع وبناءً على متطلباته؛ إن تراخى الواقع تراخى الفكر، وإن اشتد الواقع اشتد الفكر).

وقال: (نزل الوحي حسب متطلبات الواقع، أو كما يقول علماء الأصول: طبقًا لأسباب النزول، وتبعًا لإمكانيات تقبُّله، وكثيرًا ما كان الوحي يعدل حسب الواقع كما يقول بذلك علماء النسخ) (المصدر السابق) .

وبذلك تحول الوحي عنده إلى مقترحات وحلول من الأفراد أو الجماعة، أو فرض من الواقع أيدها الوحي، وكأن لكل آية في القرآن سبب نزول، وأن نزول كل آية جاء عقب سبب من الأسباب لتأييد الواقع وإقراره.

وهذا مما لا يعرفه تراث الإسلام ويأباه، فمعلوم أن نزول الآيات كان على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال. وهناك آيات ذكر لها المفسِّرون أكثر من سبب للنزول، وأحيانًا تكون هذه الأسباب المذكورة متضاربة، فيعد البعض ذلك الاختلاف من تفسير الآيات لا مِن أسباب النزول؛ خاصة مع توسُّع البعض في تلمس أسباب النزول، ولهذا كان المعوَّل عليه في معرفة الوقائع التي تعد أسبابًا حقيقية لنزول بعض الآيات، هو مدى صحة الرواية وثبوتها.

ويدل على بطلان ما يذكره الحداثيون:

- إنه (ليس صحيحًا ما يُقَال من أن أسباب النزول استوعبت الكتاب الكريم وتحكمت في نزوله، وأن القرآن نزل طبقًا لهذه الأسباب وتبعًا لمتطلبات الواقع، بل الصحيح المتعارف عليه هو أن قدرًا كبيرًا جدًّا من القرآن الكريم نزل ابتداءً بلا أسباب أو مقتضيات من الواقع؛ بمعنى أن هذا القدر الكبير لم يكن إجابة عن أسئلة أو ردود فعل لمثيرات معينة أثارها واقع المجتمع المكي أو المدني في عصر الرسالة) (المصدر السابق، ص 41) .

- إن (آيات التوحيد لم ترتبط في نزولها بسبب ولا مقتض ولا باعث من الواقع، بل نزلتْ أساسًا لتدمير واقع المجتمع الجاهلي ولتنشئ على أطلاله مجتمعًا من نوع آخر).

قال الشيخ محمد عبده: (إن سبب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام؛ لأن معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تُعِين على فهمه، وفِقْه حكمته ويسره... وأما الآيات المقررة للتوحيد، وهو المقصود الأول من الدِّين؛ فلا حاجة إلى التماس أسباب لنزولها، بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال) (المصدر السابق، ص 41 - 42 نقلًا عن تفسير المنار لرشيد رضا، 2/ 56) .

- إن كتب أسباب النزول (لم تقدِّم لنا سبب نزول لكل آية، وهذا وحده كافٍ في دحض المقولة التي تُخضِع القرآن للواقع، وتربطه به اشتدادًا وضعفًا، وإمكانًا للقبول أو الامتناع. وحسبنا دليلًا أيضًا: الأمثلة العديدة التي يجدها قارئ (أسباب النزول) للواحدي، والتي يربط فيها بين نزول الآية وبين ما يعد من التفسير، لا من أسباب النزول، ويدخل تحت هذا النوع العشرات مما سموه: أسبابًا للنزول، فسبب النزول كما يعبِّر الشيخ رشيد رضا: (ليس أكثر من فهم للمروي عنه في الآية، ورأي في تفسيرها يخطئ فيه ويصيب، ولا يلزم أحدًا أن يتبعه فيه، بل لمن ظهر له خطؤه أن يرده عليه، ولا سيما إذا كان ما يتبادر من معنى الآيات يأباه) (المصدر السابق، ص 42 - 43 بتصرفٍ، وتفسير المنار، 5/ 320) .

- فقول بعض السلف عن آية: "إنها نزلت في كذا" يُرَاد به أنها تضمنت هذا الحكم؛ يقول الزركشي في (البرهان في علوم القرآن) (1/ 32-33): (عرف من عادة الصحابة والتابعين أنه إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا؛ فإنه يريد أن الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها) (المصدر السابق، ص 49، نقلًا عن الإتقان 1/83، وأيضًا: التحرير والتنوير لابن عاشور، 1/50) .

- إن القاعدة الأصولية المتفق عليها: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (تنسف من الجذور محاولة ربط القرآن بالواقع ربط معلول بعلة؛ إذ في ضوء هذه القاعدة لا يصح الوقوف بمحتوى الآية عند حدود الحادثة التي نزلت الآية في جوها، بل تتخطى دلالة الآية بما هي خطاب إلهي حدود المكان والزمان التي أحاطت بتنزلات الآيات القرآنية) (المصدر السابق، ص 43) .

يقول د. أحمد الطيب ردًّا على ضلالات حسن حنفي: (إن الحقيقة البسيطة التي يعلمها الأستاذ إذا التزم بمنطق هذا التراث -أصولًا وفروعًا- هي: أن القرآن الكريم موجَّه للواقع ومؤثِّر فيه وحاكم عليه، بقطع النظر عما صاحب نزول بعض الآيات أو تقدَّم على نزولها من ظروف وملابسات، وأنه ليس من الحوادث أو الوقائع بعلة في نزول شيء من القرآن؛ بمعنى أنه كلما افترضنا عدم حدوث السبب؛ فلا بد من أن نفترض معه ضرورة انقطاع هذه الآية أو تلك، أو احتجابها عن النزول، فمثل هذا التفكير قلب لأبسط قواعد فهم القرآن رأسًا على عقب، ولا يمكن الجمع -بحال من الأحوال- بين القول بأن القرآن وحي من الله تعالى والقول بأن القرآن جزء من الواقع أو مدلوله؛ اللهم إلا إذا كان القصد الخفي وراء هذه المتناقضات هو استبعاد القرآن الكريم من أن يكون عنصرًا مقومًا في مشروع النهضة والتجديد) (المصدر السابق، ص 44) .

ويضيف: (وأن القول باختصاص القرآن بالواقع الذي نزل فيه فوق أنه افتئات على الحقيقة التي يعرفها المسلمون جميعًا هو قول لا يمكن أن يقول به عاقل).

الصفحة السابقة الصفحة التالية