التراث والتجديد من منظور السلفية (4) (الحداثة والتراث)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
وفي هذا المعنى قال ابن تيمية: (وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا... فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس إن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحدٌ من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرًا أو نهيًا لذلك الشخص ولغيره ممَّن كان في منزلته، وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم؛ فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممَّن كان بمنزلته أيضًا) (المصدر السابق، ص 45-46، نقلًا عن مجموع الفتاوى، 13/ 181-182، وانظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، 1/ 85) .
ويؤكِّد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وهو أحد أئمة تفسير القرآن الكريم في العصر الحاضر، على هذا المعنى الواضح فيقول: (فإن القرآن جاء هاديًا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح، فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام) (المصدر السابق، ص 46، نقلًا عن التحرير والتنوير لابن عاشور، 1/ 46) .
صاحب التراث والتجديد يناقض نفسه:
والأعجب والأغرب أن يناقض هذا الكاتب نفسه كلامه الذي ذكره في مواضع أخرى من كتاباته، فيقرر خلاف ما قال من قبل، فيقول: (لا يهمنا في تفسير الآيات القرآنية الرجوع إلى الوقائع التاريخية المحددة التي كانت وراء أسباب النزول، فذلك يهدف فقط إلى ضبط معاني الآيات) (راجع المثقفون العرب والتراث، لجورج طرابيشي، ص 109، نقلًا عن كتاب: في اليسار الإسلامي، لحسن حنفي، ص 100) .
وقال مبيِّنًا الظواهر الإيجابية -في علومنا العقلية في رأيه- أنها تلك التي (تصدر من النص الديني بعد فهمه أو تفسيره، دون أن يكون لها بقايا يرجع أصلها إلى التاريخ أو إلى بيئة ثقافية أخرى) (المصدر السابق نقلًا عن اليسار الإسلامي، ص 43) .
وقد خصص جورج طربيشي قسمًا كبيرًا من كتابه: (المثقفون العرب والتراث) لتحليل تناقضات مدرسة التراث والتجديد في الموقف المنهجي، والموقف من القضايا والوقائع، والنصوص والأشخاص. (راجع الكتاب، ص 105- 127) .
بينما يعلِّق فؤاد زكريا على تناقضات مدرسة التراث والتجديد بقوله: (وإذا فرضنا أن مؤرخًا أراد في المستقبل أن يحدد الموقف العام لحسن حنفي من هذه المسألة، فهل سيظل هذا المؤرخ بقواه العقلية سليمة بعد أن يتراقص مع كاتبنا في حلقة المتناقضات الجنونية التي تدور فيها معالجته للموضوع؟!) (انظر: التراث والتجديد، د. أحمد الطيب، هامش ص 52، نقلًا عن: الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة، ص 57) .
ومن إشكاليات صاحب مدرسة التراث والتجديد أيضًا: أنه نَسَب ما عليه المسلمون من سلوكيات خاطئة إلى التراث وتأثيراته العميقة! فالتراث فيما يراه (هو العلة الحقيقية لكلِّ مشكلاتنا المعاصرة التي ظهر فيها عجزنا وانحطاطنا، وتخلفنا فيما نعانيه الآن من اللا مبالاة والسلبية، والتواكل هو أثر الإيمان بالقضاء والقدر في التراث!)، فشاء (عامدًا أو متغافلًا أن يزيل الحدود والحواجز في خطة التجديد بين هذه الأصول كثوابت، وبين سلوكيات وتفسيرات خاطئة التصقت بالتراث الإسلامي، وحُسِبت عليه ظلمًا وعدوانًا)؛ فيقرر صراحة -أو ضمنًا-: أن التواكل والسلبية واللا مبالاة من آثار الإيمان بالقضاء والقدر، فـ(يخلط الأوراق في أذهاننا إلى الحدِّ الذي يحدثنا فيه عن ممارسات خاطئة لمفاهيم صحيحة، وهو يظن أنه يحدثنا عن عيوب في المفاهيم ذاتها!)، (في تعميم كاسح من شأنه أن يثير ريبة وشكًّا في جدية المشروع بأكمله) (المصدر السابق، ص 57، 58 بتصرفٍ) .
وهكذا لم يشأ (أن يفرِّق بين ما هو أصيل وصحيح ومطلوب، وبين ما هو طفيلي وزائف ومطلوب القضاء عليه في تجديده للتراث، والسبب في هذا الخلط) أنه (لم يرَ مِن تراثنا القديم في هذا الموضع إلا سلوكيات معاصرة، ثم راح يحاكمها بهذا التراث نفسه، مع أنه أول مَن يتيقَّن أنها تطبيقات سيئة للتراث وليست تراثًا، وأن محاكمة المبدأ بتطبيقات تنحرف عن المبدأ نفسه ليست من البحث العلمي المنصف في شيء؛ اللهم إلا إذا اعتبر) (مشروع التجديد أن المحتوى الداخلي للتراث ليس إلا السلبية، والنفاق والخنوع!) (المصدر السابق، ص 59 بتصرفٍ) .
