شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التراث والتجديد من منظور السلفية (4) (الحداثة والتراث)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحداثة مفهوم غربي (تقتضي أول ما تقتضي قطع الصلة بالماضي وآثاره لما انطبع في ذاكرة الغربيين من أشكال التخلف التي عانوها في القرون الوسطى؛ حتى أصبحوا يفرون من كلِّ ماضٍ ولو كان ماضيهم القريب، فرارهم من الموت!) (رسالة: التراث والتجديد، د. أحمد الطيب شيخ الأزهر - هدية مجلة الأزهر - عدد شعبان 1435هـ، المقدمة ص 15 بتصرفٍ يسيرٍ) .

ويحرص المتأثرون بهذه الحداثة الغربية في بلادنا على قطع صلة أمتنا بتراثها بصورة صريحة مباشرة، أو بطرق فيها مواربة؛ رغم الفارق الكبير بين حالة الغرب في القرون الميلادية الوسطى وحالة أمتنا فيها، ورغم أن حالة الغرب في هذه المرحلة (لا تنطبق على ذاكرة المسلمين؛ لأن هذه القرون كانت تشهد على تحضرهم، فقد أبى بعض الدارسين إلا أن يبنوا على هذه الحالة الغربية أن الأمة المسلمة ينبغي أن تحذو في علاقاتها بتراثها وتاريخها حذو الغرب في علاقته بتراثه وتاريخه!).

(هذا إضافة إلى أن الواقع الأوروبي الذي نَتَج عنه المنهج الحداثي، كان واقع صراع مرير بيْن المفكرين والأدباء والفلاسفة من ناحية، والدِّين والكنيسة ورجالها من ناحية أخرى، وتكشف الصراع عن انتصار ساحق لرجال الأدب والفلسفة، وسموا فلسفتهم: (الفلسفة التنويرية) في إشارة صريحة إلى أن فلسفة خصومهم من رجال الدين والكنيسة فلسفة ظلام وجهل وتخبط، يجب أن تنجلي غمتها عن الناس.

ومن هنا لم يتردد فلاسفة التنوير الغربي في أن يصدعوا بأن الفكر الحداثي يشتغل بالإنسان، وينفض يديه من (الإله) جملة وتفصيلًا، وأن العقل وحده هو المرجع وليس الوحي الإلهي، وأن الدنيا هي محور تعلُّق الإنسان وتوجهه واشتغاله، وليس الآخرة) (المصدر السابق، ص 15- 16، نقلًا عن: "روح الحداثة... المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"، تأليف طه عبد الرحمن - المركز الثقافي العربي - المغرب 2006م، ص 189، وهذا الكتاب كتاب بالغ الأهمية في نقد الحداثيين العرب في قضية التراث) .

(وأصحاب هذا التوجُّه ينطلقون من التسوية بين النص القرآني المقدس والنصوص التاريخية، ونصوص التوراة والإنجيل في خضوعها للقراءات الحداثية، غير عابئين بالفروق الدقيقة الحاسمة بين نصِّ القرآن وهذه النصوص، مِن حيث اختلاف طبيعة المصدر؛ فهو في القرآن إلهي مقدس، وفي غيره كتابات أو إلهامات مؤلَّفة ومدوَّنة، ونص القرآن الكريم لم يتعرَّض لتدخل بشري بالرواية بالمعنى، أو باستحضار الحداثة أو بالصياغة بعد موت صاحب النص أو بوحي من تأثير البيئة والواقع التاريخي، ولم يكن للنبي -صلى الله عليه وسلم- أيُّ دور إلا نقله وتبليغه للناس كما سمعه ووعاه عن الوحي حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة.

ثم إن النص القرآني قد توفرت له طرق عجيبة في توثيق النص وحفظه، وصيانته وخلوده، لم تتوفر لأي نص آخر من النصوص التاريخية أو الدينية أو الأدبية، أو غيرها، وهذه الفروق الكبرى هي التي سوَّغَت للغربيين أن يخضعوا هذه النصوص التي يتدخل فيها العمل البشري للقراءات الحداثية) (التراث والتجديد، المقدمة، ص 14) .

وقد تنوعَّت نظرة الحداثيين العرب للتعامل في الظاهر مع التراث، مع الاتفاق على نبذه أو تغييره وتفريغه من محتواه:

- فمنهم مَن يرى أن التراث عنصر جامد معوق، وحينئذٍ يحق للمشروع النهضوي أن يبدأ من الفراغ، ويحق له أن يتجه إلى الغرب يقتبس منه ما يستطيع اقتباسه، وهضمه بلا حرج وتردد، وبلا نظر لدين وشريعة وحضارة إسلامية أو عربية.

- ومنهم مَن حصر التراث أصولًا وفروعًا في مرحلة تاريخية منتهية.

- ومنهم مَن أحال التراث برمته إلى أصول مادية، باعتبار وحي القرآن والسنة كان نتيجة لحراك الواقع المادي، فالوحي عندهم مرتبط بالواقع الذي نزل فيه ارتباط السبب بمسببه، والعلة بمعلولها، فالواقع هو الذي يغيِّر الوحي حين يتغير، وهو الذي كان يتحكم فيه نزولًا وتغييرًا، وحذفًا وتعديلًا؛ وعليه يسلكون بالتراث في درب المذاهب المادية التي تتوقف عند حدود المحسوس، ولا تعترف بما وراء العالم المادي.

- ومنهم مَن جرد التراث مِن أخص خصائصه، وهو قداسة النص، أي: انتزاع القداسة من النصوص الأصول في التراث: القرآن الكريم والسنة النبوية، واستبدل بها ما يسمَّى عندهم بـ(تفكيك المقدس).

- ومنهم مَن لجأ إلى تطبيق علم (الهيرمينوطيقا) في تفسير النص القرآني وتأويله، والهيرمينوطيقا: علم التأويل والمدرسة الفلسفية التي تشير إلى تطور دراسة نظريات تفسير وفهم النص، في فقه اللغة واللاهوت، والنقد الأدبي؛ فينادون بأن فهم النص غير ثابت وليس نهائيًّا، وأن قراءته مفتوحة، ولا فرق في ذلك بين نصٍّ أدبي أو نص ديني! والقرآن عندهم نص لغوي تكوَّن في ثقافة عصره وظروفها وتاريخها، ولا يمكن فصله عن بيئته وثقافته التي نَزَل فيها؛ فيتساوى عندهم النص القرآني المقدس مع غيره من النصوص الأخرى في التعامل معها!

والحداثيون في ذلك كله يدعون أن التراث لا يصلح لهذا العصر، ولا بد من إعادة إنتاجه وتوظيفه عبر التجديد، وهذا التجديد يكون من خلال الاجتهاد في التعامل مع النص، وهم يطلقون حق هذا الاجتهاد لكلِّ مفكر ومثقف، حتى لو كان غير مؤهل وغير مستوفٍ لشروط الاجتهاد وضوابطه كما بيَّنها العلماء، بل زعم هؤلاء أنهم الجديرون بحركة إحياء التراث. والغاية من زعمهم أن لهم حق الاجتهاد في التعامل مع التراث، هي: تطويع التراث لمستجدات العصر. (راجع في ذلك: المصدر السابق، ص 13-17) .

الصفحة التالية