الحداثة وما بعد الحداثة
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالحداثة هي المشروع الحضاري الأوروبي الذي تبلور في بدايات النهضة الأوروبية بعد الانتقال الحاسم من المجتمع الزراعي الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي الصناعي، وقامت الحداثة على عدة أسس، هي: الفردية والعقلانية، والاعتماد على العلم والتكنولوجيا، وتَبني النظرية الخطية في التقدُّم الإنساني؛ بمعنى أن التاريخ يتقدم (تقدمًا مطردًا) من مرحلة إلى مرحلة أخرى (راجع: إعادة اختراع السياسة من الحداثة إلى العولمة، السيد يسين - الهيئة المصرية العامة للكتاب - مكتبة الأسرة 2006، ص 214 بتصرفٍ) .
فمذهب الحداثة في أوروبا رافق صعود المجتمع الصناعي باعتباره نموذجًا حضاريًّا جديدًا بني على أنقاض المجتمع الإقطاعي، ويقوم على:
- مبدأ (الفردية): ويعنى حق الفرد في أن ينطلق في المجتمع بغير قيود ولا حدود؛ إلا ما ينص عليه الدستور والقانون.
- ومبدأ (العقلانية): ويعني انقضاء عهد التفكير الخرافي والعشوائي، وتحكيم العقل في كل شيء باعتبار العقل هو محك الحكم على الأشياء.
- ومبدأ (الاعتماد على العلم والتكنولوجيا)؛ لحلِّ المشكلات الإنسانية.
- مع مبدأ رابع، وهو: (الاعتماد على المنهج الوضعي في البحث)؛ أي: ألا يتعرض الباحث إلا لبحث الظواهر التي يمكن قياسها.
وأخيرًا تبني مفهومًا خطيًّا للتقدم؛ بمعنى أن التاريخ الإنساني يتقدَّم من مرحلة إلى مرحلة أخرى (راجع المصدر السابق، ص 24 - 25) .
وفكرة التقدم في تعريفها العام الميسر، لا تخرج عن الاعتقاد الذي مبناه: أن التاريخ بشكل عام يتقدَّم تقدمًا مطردًا من مرحلة لأخرى في اتجاه تحسن الوضع الإنساني المادي، في شكل تحقيق حياة أكثر صحة، وسعادة وأمنا وراحة، وذلك بالنسبة لأعدادٍ متزايدةٍ من البشر، وبعبارة أيسر: فإن التقدم يعني -على المدى الطويل- أن أحوال الإنسان سوف تتحسن، وترتقي إلى الأفضل.
وفي ضوء هذه القِيَم جميعًا تم تحديث النظام السياسي -في أوروبا- من خلال القضاء على مواريث العصر الإقطاعي، حيث كان يتم التحكم في البشر باسم الحقوق الأبدية للإقطاعي على رعاياه، وحيث كانت الكنيسة تمارس الإرهاب المعنوي على الناس؛ بزعم أنها تستمد سلطتها مباشرة من الله -سبحانه وتعالى-، ومِن ثَمَّ أعطت لنفسها الحق في منح صكوك الغفران، كما كانت الكنيسة بتفسيراتها الجامدة وبتحريفاتها للنصوص تصادر حرية التفكير، وتضع قيودًا لا حدود لها على حرية التعبير.
وحيث إن الحَديث لغة: نقيض القديم، (فالحداثة نقيض القدم، وكلاهما يشير إلى أن ما يقع في دائرة الحداثة يتعارض مع ما يقع في دائرة القدم، وأن وجود أحدهما نفي لوجود الآخر، كما أن فهم أحدهما لا يتم إلا بفهم تعارضه مع الآخر، على أن هذا التعارض ليس تعارضًا بين عنصرين بسيطين، وإنما هو تعارض بين نظامين، يقوم كل منهما على مستويات متعددة تتجاوب عناصرها وتتوازى في علاقات تصنع الصورة الكلية للنظام، بحيث لا يمكن فهم مستوى من المستويات دون إدراك علاقاته بغيره) (راجع: قراءة التراث النقدي، د. جابر عصفور - الهيئة المصرية العامة للكتاب - مكتبة الأسرة 2006، ص 119 بتصرفٍ) .
ابتدأت الثورة الصناعية في أوروبا في إنجلترا منذ القرن الثامن عشر، فكانت الآلة البخارية التي ابتكرها (جيمس وات) عام 1770م بداية هذه الثورة التي أوجدت القطارات، ثم ظهر محرك الديزل الذي يقوم على الزيوت الثقيلة، والمحرك الانفجاري الذي أوجد السيارات.
وفي عام 1870م بدأ استغلال مساقط المياه لتوليد الطاقة الكهربائية، ولم يقف التطور عند حدِّ حتى أن الحروب والأزمات كانت محرِّضًا لدفع عجلة الحضارة بسرعة وخطى أكبر، وجاء اختراع الهاتف والسينما والراديو، وما أن جاءت الحرب العالمية الثانية حتى وَجَد الناس أنفسهم أمام اكتشافات جديدة مذهلة؛ خاصة بعد استخدام الطاقة الذرية، إلى أن امتدت الاختراعات إلى الحاسبات الإلكترونية والصواريخ، والمحرك الذاتي (الروبوت).
وتمثَّلت (الحداثة السياسية) في أوروبا في إقامة نُظُم عصرية تقوم على أساس النظم الملكية أو الجمهورية، يحكمها دستور ينص صراحة على حقوق المواطنين وواجباتهم، ويحدد العلاقات بين السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية.
أما في مجال (الحداثة الاقتصادية): فقد استطاعت أوروبا أن تشعل ثورة كاملة في مجال الإنتاج والاستهلاك معًا؛ ذلك أنها اعتمدت على العِلْم والتكنولوجيا، واستطاعت أن تصنع آلات المصانع القادرة على الإنتاج الوفير؛ مما سمح لها على المدى الطويل بسدِّ الحاجات الأساسية لملايين البشر، ومن بعد سد الحاجات الكمالية بعد ما برز المجتمع الاستهلاكي بتجلياته المعروفة، وخصوصًا عقب الحرب العالمية الثانية.
أما في مجال (الحداثة الاجتماعية): فكان تقسيم العمل (هو الملمح الأساسي للمجتمع الحديث، كل فرد في المجتمع له عمل محدد، يؤهل لأدائه وَفْق برامج تعليمية وتدريبية خاصة).
أما في مجال (الحداثة الثقافية) فإن (العقل هو محك الحكم على الأشياء؛ فقد تم تحييد التدخلات الدينية في السياسة من خلال مبدأ العلمانية الذي يفصل بين الدين والدولة، وفي مجال الحداثة الثقافية كانت حرية التفكير، وشهدت حرية التعبير تجليات في كلِّ الميادين في الفلسفة والفن والأدب والعلم) (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 25 - 26) .
وفي المقابل: أثَّرت الثورة الصناعية في عصر النهضة في أوروبا على الحياة الفكرية والأدبية تأثيرًا قويًّا، بعد أن خضع الإنسان الأوروبي معها بكل رضى لسيطرة الآلة، وأصبح مفهوم الحداثة هناك يقوم على مدى الارتباط بمظاهر العصر، واستحوذت التقنيات الحديثة والطابع العقلاني الرياضي والواقعية المادية على الإنسان حتى أصبح خصمًا للقِيَم التقليدية في الطبيعة والمجتمع (راجع: من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن، عفيفي بهنسي - ط. دار الكتاب العربي - ط. أولى 1997م - 1418 هـ، ص 10 بتصرفٍ) .
ولقد ابتدأت الحداثة في أوروبا منذ اللحظة التي تفككت فيها الثقافة الدينية، وظهرت الثقافة اللا دينية القائمة على العقل، مناهضة إلى حدِّ القطيعة لجميع المبادئ التي قام عليها الدِّين.
