شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الحداثة وما بعد الحداثة

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وقد ارتبطت النزعة الفردية للحداثة في أوروبا بالحرية؛ لذا طغت الذاتية في اتجاهات الأدب والفن الحديث، وتطرفت الذاتية بنزعتها الانفصالية في أوروبا حتى أصبحت وحيدة الاتجاه تناهض الطبيعة والتراث والدِّين (راجع المصدر السابق، ص 84) .

ولكن (فكرة التقدم الغربية التي وصلت ذروتها في القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر، تحطمت على صخور الوقائع التاريخية البشعة في القرن العشرين، والتي تمثَّلت في الحرب العالمية الأولى بكلِّ بربريتها التي خاضتها الدول الأوروبية المتقدمة المتنافسة على النفوذ العالمي ضد بعضها، وبعدها الحرب العالمية الثانية بكلِّ أهوالها، ولا ننسى مقدماتها في ظهور النازية والفاشية، والتي هي تيارات أيديولوجية متعصبة تسير ضد منطق التقدم! (راجع: إعادة اختراع السياسة، ص 20 - 21) .

لقد كان للاكتشافات العلمية الخارقة تأثير مفاجئ على الإنسان في العصر الحديث، وأحدثت هزات في البنيات الاجتماعية في أوروبا، فحمل القرن العشرون في أوروبا إلى جانب التفوق الحضاري بذور أزمة عميقة شربها الأوروبيين، وتجاوزت إدراكهم؛ لكي تستقر في أعماقهم، وتنعكس على مذاهبهم الفكرية والأدبية والاجتماعية.

وقد كان الفن مظهرًا من مظاهر هذه الأزمة، فتعددت المدارس الأدبية والفنية المتضاربة، كل منها يناقض ما سبقه ويخالفه، وإن اتفق معه في أساسيات الحداثة، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر بدأ ظهور إنتاجات فنية خارجة عن حدود المجتمع، وعن التقديرات الرسمية، والذوق العام.

وكان الطابع المسيطر على هذا الفن الحديث هو التحرر والتمرد على جميع المظاهر الفنية، وعلى جميع القِيَم الجمالية التي كانت مسيطرة حتى ذلك الوقت)، (وتجسد هذا التمرد في نوع من الفردية تتضمن كثيرًا من الغرور)، وجر معه (الفن إلى العبث والفراغ) (راجع: من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن، ص 11و13 بتصرفٍ) .

فمن أمثلة ذلك: ظهور أول لوحة تجريدية في عام 1910م كانت مزيجًا من الجد والعبث، (وهكذا لم يعد العالم الخارجي كافيًا للردِّ على حاجات الفنان، بل لم يعد الخيال والفكر وحتى الجنون عناصر غريبة عن الفن) (راجع المصدر السابق، ص 11) ، (لقد تَفَرَّغ الإنتاج الفني من كلِّ مضمون، وتفرغ من جميع القِيَم الجمالية، ولم يعد الإنسان أساسًا ومقياسًا، ولم تعد الطبيعة مصدر الجمال الفني، وكذلك لم تعد القِيَم الجمالية حكمًا؛ بقي فقط هذا الفن المجرد من كلِّ ثقافة) (راجع المصدر السابق، ص 12) .

وقد لجأ بعض الفنانين إلى الخيال، فكان الخيال مريضًا كما في حركة الدادائية (التي ظهرت في باريس منذ عام 1912م، وهي حركة تمردية على جميع القيم والمواصفات، في عصرٍ سيطرت عليه الصناعة الاستهلاكية والحرب المدمِّرة، وكانت أعمال الفنانين هي لوحات تثير فضائح أكثر مِن أن تقدِّم تفاؤلات!)، فالدادائية (اتجاه عدمي عبثي يعبِّر عن تناقض الحياة المعاشة) (راجع: من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن، ص 27) ، وكما في السريالية (وهي اتجاه ظهر عام 1925م في باريس كبديل للدادائية، وهي تهتم بتمثيل العالم الباطني وعالم اللاشعور بأشكال واقعية محرفة جدًّا)، (أو بأشكال تجريدية)، و(قد قدَّمت السينما الطلائعية الفرنسية أفلامًا سريالية) (راجع المصدر السابق، ص 38 بتصرفٍ) .

ولجأ آخرون إلى تمثيل الآلات الحديثة في أعمالهم في مشاهد تحوَّلت من مناظر طبيعية إلى مشاهد صناعية، حيث عدَّ البعض الاتجاه إلى عالم الآلة في الفن علامة تقدُّم عصرية، فكان الاهتمام بتصوير الآلات والقطارات والمراكب.

نهاية نموذج الحداثة:

هذا المجتمع الأوروبي الصناعي بمشروعه الحداثي الذي أثَّر على كلِّ أقطار العالم بلا استثناء (دار دورة تاريخية كاملة ووصل إلى منتهاه، وأعقبه نموذج حضاري جديد، هو: مجتمع المعلومات الذي يتحول ببطء -وإن كان بثباتٍ- إلى مجتمع المعرفة، مرافقًا في ذلك بزوغ اقتصاد المعرفة حيث ستصبح المعرفة هي المولد الأساسي للثروة.

ويمكن القول: إن ظاهرة الكونية التي ترمز لصعود مجتمع المعلومات العالمي كنموذج جديد هي العولمة بتجلياتها: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية) (راجع: إعادة اختراع السياسة، ص 5) ، وهو ما يطلق عليه: (ما بعد الحداثة).

(لقد انتهت مرحلة نموذج المجتمع الصناعي، والذي انبثق عن الثورة الصناعية الأوروبية، وفتح الباب واسعًا وعريضًا أمام نشوء مجتمع المعلومات الكوني، والذي هو التعبير البليغ عن الثورة الاتصالية الكبرى ومجالاتها الرئيسية، وأبرزها: البث التليفزيوني من خلال الأقمار الصناعية، وشبكة الإنترنت بكلِّ آثارها العميقة: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وهكذا برزت مفاهيم لم تكن موجودة من قبل، مثل: الديمقراطية الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والاتصالات عبر الحضارية.

وهكذا يمكن القول: إن السعي لإعادة صياغة مفهوم جديد للتقدم يكاد أن يكون المعادل الموضوعي -لو استخدمنا لغة النقد الأدبي- لسعي الإنسان في هذه المرحلة التاريخية في حياة الإنسانية لصياغة مفهوم جديد لمعنى الحياة) (راجع: إعادة اختراع السياسة، ص 20) .

ظهور عصر العولمة:

وتقوم ما بعد الحداثة في أوروبا (على أساس نفي الحقائق المطلقة، ونقد التاريخ؛ باعتباره في كثيرٍ من الأحوال ليس سوى دعاية لتيار معين، وأهم من ذلك: تأكيدها على سقوط الأيديولوجيات الكبرى التي كانت تزعم كلٌّ منها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وبداية عصر الأنساق الفكرية المفتوحة) (المصدر السابق، ص 214 بتصرفٍ) .

ولهذه العولمة الغربية أربعة وجوه:

- وجه سياسي: ويتركَّز في شعارات ثلاث، هي: الديمقراطية، واحترام التعددية، وحقوق الإنسان.

- وجه اقتصادي: ويرمز له تأسيس منظمة التجارة الدولية، وسرعة تدفق السلع والخدمات، والأفكار والبشر، بغير حدودٍ وقيودٍ.

- وجه ثقافي: ويتمثَّل في بزوغ ثقافة كونية تنسق العلاقات بين ثقافات الشعوب، والتي صارت تعيش في شبه حضارة واحدة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية