الحداثة وما بعد الحداثة
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
- وجه اتصالي: والذي يكاد اليوم أن يكون أبرز وجوه العولمة؛ ذلك أن الثورة الاتصالية الكبرى قد مَحَت حواجز الزمان والمكان أمام البشر، وانفتحت أبواب الاتصال الإنساني غير المحدود بين الناس والدول والثقافات، وهذا الوجه من وجوه العولمة لم يتم حتى الآن دراسة آثاره العميقة بالقدر الكافي) (راجع المصدر السابق، ص 207 - 209) .
ومعها شهد المجتمع الدولي ثلاث ثورات متزامنة:
- ثورة سياسية: صعدت فيها الديمقراطية في سُلَّم أولويات العالم من زاوية ضروريتها، وأهمية استحداث صور جديدة لها، وبروز نخب سياسية لها أجندة غير مسبوقة، مِن أهمها: الاهتمام بالبيئة، والتركيز على أهمية مؤسسات المجتمع المدني في التنمية.
- ثورة قيمية: تعبِّر عن الانتقال من القيم المادية إلى القيم غير المادية، أو بعبارة أخرى: الانتقال من الاهتمام برفع مستوى نوعية الحياة إلى التساؤل عما هو معنى الحياة.
- ثورة معرفية: ونعني بها بكل بساطة: الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، والتأثير البالغ لهذا الانتقال على مقولات إمكانية تعميم النموذج الأيديولوجي، وبروز أهمية صياغة الرؤى الإستراتيجية التي تعتمد لا على الأنساق الفكرية المغلقة: كالماركسية الجامدة، أو الرأسمالية المتطرفة، ولكن على الأنساق الفكرية المفتوحة (المصدر السابق، ص 213 - 214 بتصرفٍ) .
الحداثة في البلاد العربية:
ذهبت طائفة -كما هو معتاد- مِن المفكرين والمثقفين والأدباء العرب، مِن أتباع كل ناعق غربي إلى تبني مذهب الحداثة الأوروبي في الفكر والأدب، والعمل على الترويج له في بلادنا.
والحداثة العربية هي حداثة غربية في كلِّ جوانبها وأصولها وفروعها؛ إلا أنها تسللت إلى العالم العربي دون غرابة؛ وذلك لأنها اتخذت صورة العصرية والاتجاه التجديدي في الأدب، وارتباط مفهوم الحداثة في أذهان بعض المثقفين بحركة ما يسمَّى: بالشعر الحر، أو شعر التفعيلة.
وتسربت مفاهيم الحداثة الغربية إلى بلادنا منذ الثلاثينيات من القرن العشرين، وتمثَّلت في محاولة الخروج على علم العروض في الشعر العربي، وأعقبها في الأربعينيات ظهور بعض مظاهر التمرد والرفض، وتجريب بعض الاتجاهات الأدبية الغربية: كالرمزية، والسريالية، ثم امتدت هذه الحداثة إلى مختلف نواحي الفكر الإنساني في صورة ثورة على الطبيعة والكون ونظامه، وتصوير الإنسان في هذه الحياة في صراعٍ وتحدٍّ مع الكون، كما هو حال فكر وكتابات أهل الحداثة في أوروبا، ومحاولة إظهار الإنسان بمظهر الذي يقهر الطبيعة، وامتد ذلك إلى القدح في التراث الإسلامي، والمطالبة بعزل الدين عن الحياة!
وخلاصة القول: إن الحداثيين العرب فقدوا انتماءهم لماضيهم، وأصبحوا بلا هوية ولا شخصية.
ويعد علي أحمد سعيد المعروف باسم: (أدونيس) -وهو سوري نصيري- المروِّج الأول لمذهب الحداثة في العالم العربي؛ حيث هاجم التاريخ الإسلامي، والدين والأخلاق في رسالته بعنوان: (الثابت والمنحول) لنيل درجة الدكتوراة من جامعة (القديس يوسف) في لبنان.
ومن رموز الحداثة في العالم العربي أيضًا: يوسف الخال، وهو شاعر نصراني -سوري الأصل- مات منتحرًا أثناء الحرب الأهلية في لبنان، ود. عبد العزيز المقالح، وهو شاعر وكاتب يمني، وكذلك المغربي محمد عابد الجابري، والشاعر الماركسي العراقي عبد الوهاب البياتي، ومحمد أركون الجزائري.
ومن رموزهم أيضًا: سلامة موسى، ولويس عوض، وعبد الوهاب البياتي، وغالي شكري، وحسن حنفي.
وقد أكَّد كُتَّاب وشعراء الحداثة العرب كثيرًا على الارتباط الوثيق بين حداثتهم وبين الحداثة الغربية؛ ونظرا لأن الحداثة عندهم مذهب فكري يتمرَّد على الواقع؛ فقد بحثوا في التاريخ العربي، وكُتُب التراث عن الفِرَق المنحرفة، والحركات الشاذة، والشعراء الزنادقة والمنحرفين، والثناء عليهم، وعدهم صورًا قديمة من الحداثة في التاريخ والتراث العربي، كما في أشعار بشار بن برد، وشعر الانحلال عند أبي نواس، وعمر بن أبي ربيعة، وفكر الحلاج، وابن عربي، والبسطامي، مِن غُلَاة الصوفية! (واللافت للنظر: أن غالبية رموز الحداثة العربية هم من أصحاب الفكر الشيوعي، ومن أصحاب التَّوجُّه اليساري، وهو الفكر الدَّافِع لهم على نشر الحداثة، وكثير منهم نصارى، وبعضهم من النصيرية، وقد وافق ظهور هذا التيار من الحداثة مرحلة رواج التيار الاشتراكي بعد ثورة 23 يوليو 1952م، فكان رديفًا له.
