رصد بدايات تأثر العالم الإسلامي بأوروبا الحديثة
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وفي المشرق قامت بعض الاتصالات بين بعض الأمراء المحليين وبين بعض ملوك أوروبا عبر السفارات تعرفوا منها على بعض مظاهر التقدم الأوروبي، وقام الأمير (فخر الدين المعني) بتجربة اتصال مع إيطاليا في بداية القرن السابع عشر تعرف من خلالها على التنظيم العسكري المتبع في إيطاليا وصناعة السلاح، واطلع على الأساليب المتقدمة في الزراعة والبناء، وحاول الاستفادة من مشاهداته تلك بعد عودته إلى لبنان.
الدولة العثمانية من القوة إلى الانحدار:
كانت الدولة العثمانية دولة تقليدية كسابقتها من الدول الإسلامية، حيث يمثِّل السلطان التركي فيها رأس السلطة، وقد أعطى لقب الخليفة لقوة الدولة العثمانية وتصدرها للعالم الإسلامي، يليه الوزير الأعظم، وكان هناك منصبًا جديدًا أوجده العثمانيون، وهو منصب شيخ الإسلام، يعادل في نفوذه منصب الوزير الأعظم، كان النفوذ الفعلي لشيخ الإسلام يتفاوت مِن زمن لآخر، ومع أن السلطان هو الذي يتولى تعيين شيخ الإسلام، ففي بعض الفترات التاريخية كانت فتوى شيخ الإسلام كافية لإقالة السلطان نفسه، كما نظَّمت الدولة العثمانية قوات نظامية مقاتلة عُرِفت بالقوات الإنكشارية، التي تعد حرس السلطان الذي يشاركه في المعارك والحروب، وكانت هذه القوات بأعداد كبيرة مأخوذة من المناطق المفتوحة، حيث يتم إعدادها وتدريبها من الصغر تدريبًا عسكريًّا صارمًا، ولهذه القوات قائد يعرف باسم الـ(أغا)، وكانت منزلته تالية لمنزلة الوزير الأعظم وشيخ الإسلام.
وقد تمتعت الدولة العثمانية بالقوة والنفوذ طوال مدة الانتصارات المدوية للدولة، والتي بلغت أوج قوتها ومجدها في عهد السلطان سليمان القانوني، ثم بدأت بعده في التدهور الداخلي، وظهرت تدريجيًّا ملامح الضعف والتأخر، وإن احتفظت الدولة بهيبتها وقوتها أمام أعدائها في أوروبا.
ومن ملامح ذلك الضعف: تغلغل البدع والانحرافات، و تدهور الإدارة في البلاد، وتزايد نفقات القوات الإنكشارية، وتعاظم نفوذها على حساب السلطات المدنية في الدولة، مع بداية التناقص في قدراتها العسكرية.
ويشير إلى بدايات ظهور هذا الضعف ما كتبه لطفي باشا، أحد وزراء السلطان سليمان القانوني، في رسالة له بعنوان: (آصاف نامة) جمع فيها الأفكار الأولى حول المسائل المتعلقة ببعض مظاهر تدهور مؤسسات الدولة، فتناول ما يجب أن يكون عليه الوزير من صفات، والأحوال العسكرية، وأمور تدبير الخزانة والنظر في شئون الرعية، وهو ما أكَّد عليه وتناوله مصلحون آخرون في أوقات لاحقة بعد ذلك مع تزايد الضعف والتدهور؛ خاصة عندما تعاقب خمسة سلاطين على الحكم خلال مدة عشرين سنة فقط، بسبب صراع السلاطين مع أغوات الإنكشارية.
وكان من أمثلة ذلك: محاولة (قوجي بيك) -وكان عضوًا في إدارة السلطان وقريبًا بحكم عمله من الأحداث- لشرح ومعالجة أسباب تدهور الدولة في رسالة قدَّمها إلى السلطان مراد الرابع، وكان مقربًا منه ومربيًّا له، وذلك عام 1630م، كما أنه رفع رسالة أخرى مماثلة إلى السلطان إبراهيم الذي تولَّى السلطنة بين عامي: 1640م و1648م.
وكانت هذه الحقبة قد شهدت مقتل السلطان عثمان الثاني؛ الذي انتهز ضعف عمه السلطان مصطفى فخلعه، وعندما قام السلطان عثمان الثاني ببعض التنظيمات للإصلاح في الإدارة والعسكرية قام العداء بينه وبين قادة الانكشارية، فلما زاد العداء بينهما قامت ثورة قادها أغا الانكشارية انتهت بمقتل السلطان عثمان الثاني عام 1623م، فكانت المرة الأولى التي يقتل فيها سلطان تركي من قِبَل أعوانه، وكان مقتله بداية لصراع داخلي على النفوذ بين السلاطين من ناحية وقادة الانكشارية من ناحية أخرى، وهو الصراع الذي امتد لقرابة قرنين من الزمان، إلى أن تمكَّن السلطان محمود الثاني عام 1826 من القضاء على القوات الانكشارية.
وبعد سنوات قليلة، كتب حاجي خليفة أيضًا رسالة مماثلة بعنوان: (دستور العمل لإصلاح الخلل) رفعها إلى السلطان محمد الرابع عام 1653م، ومن بعده كانت أيضًا محاولة (حسين هزارفن) في كتابه: (تلخيص البيان في قوانين آل عثمان) عام 1669م؛ إلا أنه كان أشد قسوة في نقده للمسؤولين، ومن بعده كان (ساري محمد باشا) في كتابه: (نصائح الوزراء والأمراء) عام 1703م.
وتعد هزيمة (كارلويتز) عام 1699م علامة تاريخية فارقة في تاريخ الدولة العثمانية ترتب عليها فقد الدولة العثمانية لأراضٍ شاسعة في ترانسلفانيا، والمجر، وسلوفانيا، وكرواتيا، ثم كانت الهزيمة الثانية وتوقيع معاهدة (بازارويتز) التي نصت على التخلي عن بلجراد وأراضي حول الدانوب، وقد أكَّد ذلك ضعف القوات الإنكشارية، والحاجة إلى الإصلاح لمنع تدهور الدولة وانحدارها.
وبعيدًا عن الطبقة الحاكمة كان هناك مِن العثمانيين مَن يراقب مظاهر التقدم في أوروبا، كما في كتاب المؤرخ التركي: (منجم باشي) صاحب كتاب: (جامع الدول)، الذي كتبه في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وخصص فيه فصولًا عن تواريخ الدول الأوروبية، كما ألَّف (إبراهيم متفرقة) كتابه: (أصول الحكم في نظام الأمم)، الذي صدر عام 1731م، فكان أول محاولة نظرية تطرح الاستفادة من علوم أوروبا العسكرية والإدارية؛ خاصة بعد أن أدركت الطبقة الحاكمة في إستانبول بعد الهزيمة من روسيا أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر: أن سبب تفوق روسيا هو الإصلاحات التي أدخلها بطرس الأكبر على قواته العسكرية ومؤسسات الدولة بعد فتح الباب للمؤثرات الأوروبية الحديثة.
محاولات للتغيير:
تولَّى السلطان أحمد الثالث الحكم من عام 1703 إلى عام 1730م في ظل هزيمة تركيا أمام روسيا، فمال إلى تحقيق السلام مع الدول المحيطة به، ومد الجسور مع عواصم أوروبا، وتقليدها في مظاهر العمران وبناء القصور والحياة الاجتماعية، وبعض المظاهر العسكرية، وشجع حركة الترجمة عن اللغات الأوروبية دون تمييز للصحيح من السقيم؛ وتم هذا في بذخ تأثَّر به بلاطه بعيدًا عن بذل الهمة في أسواق الصناعة والفنون، فقامت القوى المحافظة بإرغام أحمد الثالث على التنازل عن الحكم، فخلَّفه السلطان محمود الأول، الذي تولى الحكم حتى عام 1754م.
