شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رصد بدايات تأثر العالم الإسلامي بأوروبا الحديثة

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وفي عهده حدثت تطورات في مجال الانفتاح غير المحسوب على أوروبا حيث قام (أحمد بونفال)، وهو فرنسي سبق له أن خدم كضابط في الجيش الفرنسي ثم في الجيش النمساوي، ثم استقر في إستانبول ودخل في الإسلام، وكان له دور في تأسيس مدرسة للهندسة وإقامة قسم جديد للمدفعية، وساهم في إدخال قسم خاص بالطب في الجيش العثماني إلى جانب التثقيف السياسي والعسكري لأفراد في الطبقة الحاكمة، كما أوصى الباب العالي بضرورة التحالف مع فرنسا، فكانت جهوده تلك أول خطوات تغريب ممزوج بالتحديث للمؤسسة العسكرية العثمانية، وبداية تكوين طبقة جديدة من العثمانيين ظنت أنها تأخذ من الغرب حلوه دون مره.

وفي عهد السلطان عثمان الذي حكم حتى عام 1757 أسس وزيره (راغب باشا) مكتبة عامة ضخمة في إستانبول، وأمر بترجمة كتب عديدة من اللغات الأوروبية، منها: كتاب (فولتير) عن فلسفة نيوتن، ومؤلفات الطبيب الإنجليزي (سيدنهام).

وإمعانا في التأثر بالتغريب، أوفد السلطان مصطفى الثالث الذي حكم حتى عام 1773م، السفارات إلى عواصم أوروبا، واستخدم الضابط الفرنسي البارون دو توت -وكان على النصرانية- والذي أرسلته الحكومة الفرنسية لدراسة الوضع العسكري العثماني، فسمحت الدولة العثمانية للضابط الفرنسي النصراني بإنشاء فرقة جديدة من قوات المدفعية، وتنظيم الطوبخانة والترسانة، وتأسيس مدرسة بحرية، كل ذلك على غرار النظم الغربية، شكلًا ومضمونًا وفكرًا.

وقد شهد عهد السلطان عبد الحميد الأول، الذي حكم حتى عام 1789م، اعتمادا على الخبراء الفرنسيين، لكن مع إعلان الحرب على روسيا المتحالفة مع النمسا التزمت فرنسا الحياد وسحبت خبرائها من إستانبول، وقد انتهت مدة الحرب بمعاهدة (جاسي) عام 1792م.

جاء عهد السلطان سليم الثالث الذي كان معجبًا بالنظام الأوروبي ومتأثرًا بزهوه، وراجيا في مساعدة فرنسا له، فكوَّن مجلسًا استشاريًّا من معاونيه ورجال إدارته مع إشراك اثنين من غير المسلمين، أحدهما: فرنسي، والآخر أرمني، وقد تمخَّض المجلس عن إعلان ما عُرِف باسم: (النظام الجديد)، وهو عبارة عن مجموعة من التنظيمات الهادفة إلى إدخال تغييرات في المجالين: العسكري والإداري والمالي على المثال الأوروبي، وزامن ذلك إلزامية تدريس اللغة الفرنسية في بعض المعاهد.

ومع بداية القرن التاسع عشر أعدَّ السلطان سليم مشروعًا لإلغاء الإنكشارية، لكن تأخر القضاء على القوات الإنكشارية إلى عام 1826م في عهد السلطان محمود الثاني، وقد انقطعت العلاقات العثمانية الفرنسية خلال غزو نابليون بونابرت لمصر بين عامي: 1798 و1801، فمصر أحد ولايات الدولة العثمانية، ثم عادت العلاقات لطبيعتها بعد اتفاق الصلح بين الطرفين عام 1801م.

كانت الثورة الفرنسية تسعى إلى نشر أفكارها الثورية في جهات العالم المختلفة، ومنها: الدولة العثمانية بولاياتها المتعددة، وقد ساهمت السفارة الفرنسية من خلال مطبعتها في إستانبول في طبع كتب ونشرات ووثائق باللغتين: الفرنسية والتركية موجَّهة للفرنسيين العاملين والمقيمين في الدولة العثمانية، وللدعاية بين العثمانيين أنفسهم وبين رعايا الدولة العثمانية من النصارى؛ خاصة في شرق أوروبا، الذين كانوا أكثر تقبلًا لهذه الأفكار الجديدة.

وقد ساهم الفرنسيون المقيمون في إستانبول بدورهم في نشر التغريب والأفكار الثورية الفرنسية من خلال إنشاء النوادي والجمعيات، وإقامة الاحتفالات العامة، وقد أدَّى ذلك -مع الوقت- إلى أن صار لفرنسا آثارًا واضحة على طبقة من العثمانيين، فكانت تلك مرحلة مهمة في التغريب والتأثر بأوروبا عامة وفرنسا خاصة، وقد انتهت تجربة السلطان سليم بمقتله عام 1808م، ولكن لم يعد من الممكن العودة إلى الوراء إذ واصل السلاطين من بعده ركوب موجات التغيير حتى عصفت بحكمهم في النهاية، فشهد القرن الثامن عشر زيادة مضطردة في إرسال السفراء العثمانيين إلى العواصم الأوروبية، منها سفارات متعددة إلى باريس، وبطرسبورج، ولندن، وفيينا، وبرلين، وكتب أغلب هؤلاء السفراء تقارير عن سفاراتهم إلى تلك العواصم، فلم تعد أوروبا أرضًا للاستكشاف، بل أصبحت معروفة لعددٍ كبيرٍ مِن الأتراك العثمانيين.

وقد أسهمت تقارير السفراء في تقديم صورة واقعية عن عواصم أوروبا ومدنها، وتكاملت الصورة قبل نهاية القرن الثامن عشر وصارت لدى الكثير من العثمانيين تفاصيل كثيرة عن الدول الأوروبية وحكوماتها، وحياتها العلمية والاجتماعية، ومدى قوتها العسكرية، وقد أبدى هؤلاء السفراء اهتمامًا محدودًا بالأفكار التي ظهرت في أوروبا وقتها.

وقد أثَّرت حركة الترجمة -غير المحسوبة- عن اللغة الفرنسية في الحركة الفكرية في تركيا، فأدمجت بعض المصطلحات والكلمات الأوروبية في اللغة التركية، وصارت للغة الفرنسية موقعًا راسخًا في الدولة، فتأسست أول جريدة في إستانبول باللغتين: التركية والفرنسية في عهد السلطان محمود الثاني الذي حكم الدولة حتى عام 1839م، بل كان السلطان عبد المجيد الذي حكم حتى عام 1861م يعرف اللغة الفرنسية.

ظهور مفاهيم جديدة:

كان التطور الأهم في تلك المرحلة هو إدخال بعض المعاني -وافقت أو خالف الشريعة- لمفاهيم لم تكن تتضمنها من قبل، فمن ذلك:

- مفهوم الوطن والأخوة:

كان مفهوم الأمة (أو الملة) يستخدم للتعبير عن مجموع المسلمين دون تمييز في العنصر أو اللغة، بينما استخدم مفهوم الدولة للتعبير عن الكيان السياسي الديني للمسلمين؛ أما كلمة الوطن فكانت تشير إلى مكان الولادة والنشأة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية