رصد بدايات تأثر العالم الإسلامي بأوروبا الحديثة
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
أما مفهوم الأخوة فكان مرتبطًا بالولاء الديني، حيث إن في الإسلام كل المؤمنين إخوة، لكن تحول المفهوم إلى الولاء الوطني لا الديني، فلم يعرف إلا بعد تبلور المفهوم الغربي للوطن والدولة المدنية الحديثة القائمة على العلمانية والقومية، فصارت رابطة الوطن مقدمة على رابطة الدين بلا اعتبار للفوارق العقدية ولا للأحكام والشروط الشرعية في نظام الحكم، الذي أصبح بدوره ليس المرجع فيه للدين أو لا يستمد منه، وهذا مصادم لدين الإسلام، كما أن فيه معنى مذموما أيضًا، وهو العصبية الجاهلية للجنسية والقومية؛ أما المعنى الجائز للوطنية والانتماء للوطن فهو اقتضاء مزيد من النصح والحفاظ على مصالحه والدعوة إلى الله وإرادة الخير له في الدنيا والآخرة.
وهذا التغير في المفاهيم أثار كثيرًا مِن المخاوف لما يحمله هذا التغير من أهداف سياسية خطيرة على المفاهيم السائدة في الدولة العثمانية، وإن عَدَّها الكثيرون في بداية الأمر أنها تشير فقط إلى الأحداث الداخلية في فرنسا.
- مفهوم الثورة والإصلاح:
كان لمفهوم الثورة عند الأتراك دلالة سلبية؛ إذ تعني الثورة (الفتنة) لما فيها من تقاتل وفوضى؛ ولذا نظر الكتاب العثمانيون في بادئ الأمر إلى الثورة الفرنسية على أنها بلبلة واختلال، ثم عدوها انقلابًا، ولكن مع أواخر القرن الثامن عشر أصبح مفهوم التغيير الثوري الذي تروج له تجربة الثورة الفرنسية يشار إليه بالتغيير الإصلاحي، رغم أنها كانت ثورة على الانحراف الديني للكنيسة في أوروبا، لكنها امتدت لتكون ثورة على الدين ذاته، سواء الأديان المحرفة أو المنسوخة أو دين الله كما أنزل -دين الإسلام-، بالإضافة لعدم اعتبار المصالح والمفاسد والقدرة والعجز، وإهدار حرمة الدماء!
كما كان لكلمة الإصلاح عند المسلمين مدلول ديني، مداره على العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، ثم صارت كلمة الإصلاح خلال القرن الثامن عشر تنصرف إلى نواحي سياسية واجتماعية تتعلق بالحياة السياسية، وإدارة البلاد والجيش والتعليم. رغم أنه لا تعارض في الأصل بين الرجوع لما كان عليه السلف في فهم الدين وقواعده، وبين الأخذ بأسباب القوة وتطوير نظم الإدارة، كما كان في حضارة المسلمين بالأندلس.
أما صرف معنى الإصلاح إلى قبول النظم الديمقراطية (بالفلسفة الغربية من جعل الحكم أصالة للشعب من دون الله) والتي تعطي حق التشريع ابتداء وانتهاء لغير الله، وكذلك تغريب مناهج التعليم، والنظرة للحياة، فهو إفساد وليس إصلاحا.
- أما مفهوم الحرية الذي أطلقته الثورة الفرنسية وجعلته من شعاراتها فلم يكن معروفًا بهذا الفهم الغربي؛ إذ كانت كلمة الحرية تطلق عند العرب في مقابلة العبودية، والحر نقيض العبد، كما يستخدم في الإشارة إلى الشرف والأصالة، فالحر هو الشريف ذو الأصل.
وقد استخدم الأتراك في معاهداتهم الكلمة التركية (سربستية) بمعنى انعدام الحدود والقيود، للإشارة إلى الحرية الجماعية السياسية؛ فلما تنبَّه السفراء والدبلوماسيون إلى مفهوم الحرية عند الفرنسيين استخدموها في تقاريرهم بأن رجال الثورة الفرنسية يعدون عوام الناس بالحرية والمساواة، أما المفهوم الواسع للحرية فتم استيعابه بالتدريج هو وباقي مفاهيم الثورة الفرنسية قرب نهاية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وصار لها قوة سياسية فاعلة.
ويجدر الإشارة إلى أن المفهوم الواسع للحرية الغربية يصادم الدين لأنه يعطي الحق في حرية الكفر والزندقة والطعن في الدين والتحلل من الشريعة.
- أما كلمة الجمهورية فقد استخدمها الكتاب العثمانيون بمفهومها الغربي؛ للإشارة إلى النظام السياسي في فرنسا، ومن إستانبول انتشر ذلك الفكر في سائر البلاد الإسلامية.
وبالجملة : فقد كانت مسيرة القرن الثامن عشر في تركيا داعمة للاتجاه الداعي إلى الانفتاح على أوروبا، مع وجود صراع حول المفاهيم التي ولدتها الثورة الفرنسية بين متحمس لها ومعارض أسفر عن وجود تحول وتأثر مذموم، تبلور سريعا مع بدايات القرن التاسع عشر، ثم تنامت الأفكار التغريبية فتحولت تركيا معها تحولا خطيرا خلال القرن التاسع عشر، وصولًا إلى عصر التنظيمات وإعلان الدستور ثم إعلان إسقاط السلطنة وإعلان الجمهورية العالمانية .
