شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رصد بدايات تأثر العالم الإسلامي بأوروبا الحديثة

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيميل البعض إلى اعتبار بداية اكتشاف المسلمين لتقدم أوروبا ودخولها عصر النهضة الحديثة مرتبطة بمجيء الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798م، وأنها أظهرت مدى التفوق العسكري والعلمي لفرنسا وأوروبا.

والحقيقة: إن هذه النظرة تفتقد الدقة؛ إذ إن الأتراك العثمانيين وقت أن كانوا يقودون جزءا كبيرا من العالم الإسلامي أدركوا قبل قرن من مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر أن القوة العسكرية الأوروبية باتت متفوقة على العسكرية العثمانية، وهو ما دفع الأتراك العثمانيين على امتداد عقود القرن الثامن عشر الميلادي إلى القيام بمحاولات لاكتشاف ما عليه الأوروبيون مِن تقدُّم علمي وعسكري ومجاراته، وهذه المحاولات لاكتشاف هذه النهضة والاستفادة منها، وإن انحصرت وقتها داخل الإطار التركي فلم تمتد إلى الولايات العربية والإسلامية الأخرى، وهذه التجربة العثمانية للتحديث اتخذت بعد ذلك مسارًا غير متوقع تمامًا خلال القرن العشرين جعل مصير تركيا السياسي ينفصل تمامًا عن مصير العالم العربي والإسلامي السياسي بعد إلغاء كمال أتاتورك للسلطنة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وإعلان الجمهورية.

ولنبدأ التعرف على جذور هذه القصة من أولها لأهميتها:

- معلوم أن الاحتكاك العسكري بين المسلمين والروم بدأ مبكرًا جدًّا متمثلًا في غزوة تبوك في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما كان بعدها من انطلاق العرب المسلمين لنشر الإسلام خارج الجزيرة العربية في الشام في مواجهة البيزنطيين الذين امتد نفوذهم قبل ظهور الإسلام إلى الشام وأجزاء من شمال إفريقيا.

ومن خلال الفتوحات الإسلامية العظيمة انتشر الإسلام سريعًا في رقعة واسعة في آسيا وشمال إفريقية والأندلس، وترتَّب عليه دخول شعوب مختلفة في قارات العالم القديمة الثلاث طواعية في دين الإسلام، وبالتالي ميلاد دولة قوية جديدة إلى جانب -وعلى حساب- العوالم القديمة في أوروبا، وفارس، والهند، والصين، حيث انصهرت حضارات وثقافات شعوب تلك البلاد في بوتقة الإسلام خلال قرون طويلة من هيمنة الدِّين الإسلامي، حتى مع فقد العنصر العربي للتفوق العددي في الدولة الإسلامية التي صارت مترامية الأطراف تمتد من بلاد الأندلس (إسبانيا والبرتغال حاليًا)، وطنجة غربًا إلى الهند وأطراف الصين شرقًا.

وفي الوقت الذي نجح فيه المسلمون في إزالة دولة الفرس وفي إخراج البيزنطيين من الشام وشمال إفريقية، وفي إقامة دولة إسلامية في الأندلس لعدة قرون؛ إلا أنهم لم ينجحوا في القضاء على الدولة البيزنطية نفسها في أوروبا رغم الحروب الطويلة بين الطرفين بداية من القرن السابع الميلادي والتي امتدت لعِدَّة قرون ظلَّت خلالها القسطنطينية -عاصمة الدولة البيزنطية- مهددة بالسقوط.

- ورغم الصراع العسكري الطويل المحتد بين الطرفين؛ فلم تكن الاتصالات بينهما معدومة؛ إذ يسجِّل التاريخ سفارات عديدة متبادلة بين خلفاء للدولة الإسلامية وحكام للدولة البيزنطية، وبعض ملوك أوروبا، وكذلك ساهمت الحروب الصليبية في اهتمام أوروبا بالعالم الإسلامي، ومحاولة التعرف عليه.

الدولة العثمانية وأوروبا:

لم تتوسع القبائل التركية ولم تتحول من إمارة إلى دولة كبيرة؛ إلا على حساب أراضي السلاجقة في الأناضول والبيزنطيين في أوروبا، وسرعان ما ورث الأتراك العثمانيون تركات الدولة السلجوقية، فجددوا الفتوحات الإسلامية في آسيا الصغرى والأناضول، وحققوا حلم المسلمين القديم في فتح القسطنطينية عام 1453 بقيادة السلطان محمد الفاتح، السلطان العثماني السابع، وبالتالي قضوا على الدولة البيزنطية.

وفي عام 1517 دخل السلطان التركي سليم الأول مصر، وسيطر ابنه من بعده على أجزاء من المشرق العربي وشمال إفريقية، فتمكَّن سليمان القانوني -عاشر السلاطين الأتراك- من التوغل داخل شرق ووسط أوروبا حتى قارب فيينا (عاصمة النمسا) عام 1529م، وأصبح البحر الأبيض المتوسط تحت سيطرة البحرية العثمانية.

وخلال قرون من التواجد العثماني في أوروبا تعرَّضت الدولة العثمانية كقوة عسكرية لها شأنها وتخوض حروبا متتالية للدخول في صراعات تارة وتحالفات أخرى مع دول غرب أوروبا، منها على سبيل المثال: تحالف السلطان سليمان القانوني مع ملك فرنسا (فرانسوا الأول)، والذي دام طويلا، وزامنت تلك التحالفات إقامة سفارات أوروبية في عاصمة الدولة العثمانية إستانبول.

وكما حمل القرنان: الخامس عشر، والسادس عشر الميلاديان تقدُّم الأتراك العثمانيون في آسيا الصغرى، وشرق ووسط أوروبا، في وقت فيه عانت أوروبا من الانقسام إلى ممالك وإمارات، كان تلاشي الإسلام في الأندلس، وكانت بداية الاكتشافات الجغرافية لدول أوروبا الغربية، التي مكَّنت أوروبا من خيرات قارة جديدة، وسهَّلت لها الالتفاف حول إفريقية والوصول إلى جنوب آسيا وشرقها، وعقد معاهدات وإنشاء شركات تجارية والسيطرة البحرية على تلك المناطق وإقامة العديد من المستعمرات، وأعقب ذلك تطلعها إلى إقامة نهضة مادية وعسكرية تضع أوروبا في الصدارة والتفوق المادي.

وعلى ذلك شهدت الأقاليم الإسلامية البعيدة عن سيطرة الدولة العثمانية بعد هذه الاكتشافات الجغرافية تواجدًا أوروبيًّا؛ إذ دخل بعض المدن الهندية الساحلية -التي تضم خليطًا من السكان المسلمين والهنود- مِن: مستكشفين، وتجار، وجنود أوروبيين، وتكوَّنت مستعمرات أوروبية في عددٍ من هذه المدن.

وفي القرن السابع عشر دخلت اللغات المحلية بعض مفردات اللغة البرتغالية، وأقامت جاليات من عائلات إنجليزية مواقع ثابتة لها في مدينة (مدرس)؛ تلا ذلك حضور جاليات أخرى فرنسية وهولندية، وغيرهما، ومع دخول القرن الثامن عشر كانت بعض المدن هناك قد عرفت صورًا من المؤثرات الأوروبية في مجالات الحياة المادية والثقافية.

وهكذا كان المسلمون في الهند من أوائل مَن عرفوا المؤثرات الأوروبية بسبب تواجد البحارة والتجار الأوروبيين، والشركات التجارية لعددٍ من الدول الأوروبية.

الصفحة التالية