ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي (1-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإذا كان التاريخ الإسلامي يزخر قديمًا بالكثير من الأبطال المجاهدين الذين تُزين سيرتهم العطرة صفحات التاريخ؛ فإن تاريخنا الحديث -أيضًا- لا يخلو من نماذج من الأبطال المجاهدين، منهم مَن اشتهرت أسمائهم بين الناس: كعمر المختار في ليبيا، وعز الدين القسَّام في فلسطين، وعبد القادر الجزائري في الجزائر، ومنهم مَن قد لا تُعرف بين الناس أسماؤهم، ولكن مِن حق هؤلاء المجاهدين جميعًا -وأيضًا مِن حقِّ أجيالنا الحاضرة- أن نعرفهم ونتعرف على سيرتهم، ونتعلم الدروس المستفادة من جهادهم، وما بذلوه وقدَّموه؛ خاصة وأن أجيالنا صارت تفتقد أمثال هؤلاء القدوة حاضرين الآن أمام أعينهم.
ومن هؤلاء المجاهدين في عصرنا الحديث: الأمير المغربي عبد الكريم الخطابي -رحمه الله-، والذي وافته المنية في القاهرة في 14 نوفمبر 1962م، ودُفِن بها، ورغم مرور ستين عامًا على رحيله لكن تبقى -ويجب أن تبقى- ذكراه وسيرته في القلوب؛ سواء في المغرب العربي أو في كل بلاد العرب والمسلمين.
وهذه لمحة وجوانب من سجله الحافل وما تحمَّله وبذله -رحمه الله-؛ عرفانًا وتقديرًا له ولما قدَّم.
النشأة:
الأمير عبد الكريم الخطابي من سلالة كريمة وشريفة، احتفظت لنفسها بزعامة منطقتها عبر قرون طويلة؛ فآباؤه وأجداده هم أمراء قبيلة (بنو ورياغل)، الذين احتفظوا بالإمارة فيما بينهم، والتي اكتسبوها -واحتفظوا بها- لما كانوا عليه من كثرة خدمة الأهالي والدفاع عن مصالحهم.
وكانت أسرته بعيدًا عن مظاهر الرفاهية، يعملون ويكدحون، وكانوا من سكان الجبال الذين يعيشون على ظهور الخيل، ويتولون مسؤوليات القضاء وفض المنازعات بين الأهالي، ولما كانوا يعتبرون أنفسهم في خدمة الأهالي أحبهم الأهالي واعتزوا بقيادتهم، وتنفيذ مشورتهم وطاعتهم.
ومعروف عن سكان الجبال أنهم أقرب إلى الفطرة بطبيعتهم، محبون للحرية، يتمتع شيوخهم ورجالهم بسبب طبيعة الجبال القاسية بالشجاعة والفروسية والعزيمة ورجاحة العقل وبساطة الملبس، وزاد قوم الخطابي على ذلك باعتزازهم بدينهم الإسلام الذي عاشوا في هديه قرونًا طويلة.
وكانت ثقافة عبد الكريم الخطابي ثقافة إسلامية عربية؛ فقد تعلَّم العربية وبعض الحساب، ثم تعلم العلوم الدينية في (مليلة) و(فاس)، وتفقَّه في الشريعة الإسلامية؛ ولذا تولى منصب القضاء في مليلة، والتي كانت وقتها إحدى قواعد الحكم الإسباني في شمال المغرب.
بينما كان أخوه الأمير محمد يمتاز بثقافة عصرية؛ فقد تعلم في (مقلة)، ثم تخصص في هندسة المناجم والتعدين في (مدريد)، وقد ظل الأمير محمد أكبر معاوني أخيه عبد الكريم خاصة في العمليات الحربية التي خاضها في القطاع الغربي من منطقة الريف، وفي منطقة الجبال؛ يشاركه في قيادة الرجال وتنفيذ الأوامر المتفق عليها.
وقد امتاز الأمير عبد الكريم بالقدرة على التنظيم والقيادة، والقدرة على الاستفادة من طبيعة الأرض، من طرقها وجبالها، ومنابع المياه فيها، مع حسن تقدير للمواقف والرجال، وتدل عملياته الحربية التي خاضها ضد الإسبان والفرنسيين المحتلين على ذلك، والتي أقلقت مضاجع الإسبان والفرنسيين مدة ست سنوات؛ بدءًا من معاركه الأولى الصغيرة التي خاضها بأسلحة بسيطة وقليلة إلى معاركه الكبيرة التي خاضها على امتداد خطوط طويلة، تحتاج قيادتها إلى درجة عالية من الكفاءة وحسن الإعداد والتنسيق، وتكامل الصفوف.
وكان والد عبد الكريم الخطابي قد استشعر خلال رئاسته للقبيلة أن قبيلته تمتلك في أرضها موارد اقتصادية مهمة؛ ولذا يسعى في التنقيب عنها بعض المستكشفين الأوربيين؛ مما دفعه لمحاولة اقتباس العلوم الغربية، وقد اختار إسبانيا كدولة يمكنه أن يتعامل معها لقربها من إقليمه؛ لذا أرسل ابنه الأصغر إلى (مقلة) في إسبانيا للدراسة، ثم أرسله بعد ذلك إلى مدريد للتخصص في هندسة المناجم والتعدين، بينما أرسل ابنه الأكبر الأمير عبد الكريم الخطابي الذي سيخلفه في الحكم فيما بعد لدراسة العلوم العربية والدينية في فاس؛ خاصة في الفقه والشريعة، ثم استقر بعدها في مليلة واشتغل بالقضاء الشرعي فيها، وعمل في تحرير جريدة (تلغراف الريف)، وقد أكسبته تلك الدراسة والنشأة ثقافة إسلامية وعربية، كما ساهم احتكاكه بالإسبان وعمله بالصحافة في تكوين معارفه وشخصيته.
ومع إعلان الحماية الإسبانية على شمال المغرب ساءت العلاقات بين والد الأمير عبد الكريم الخطابي والإسبان، وتقدَّم الشيخ بشكواه في عام 1915م إلى الضباط الإسبان الذين جاءوا يمثلون بلادهم في المنطقة، فطلب منه الحضور إلى المندوب السامي الإسباني لتقديم فروض الطاعة والولاء، فرفض، فتم إلقاء القبض على ابنه الأمير عبد الكريم في مليلة وسجنه أحد عشر شهرًا، وفي السجن حاول الأمير الهرب بالقفز من أعلى أسوار سجن مليلة فأصيب في إحدى قدميه إصابة تسببت في إصابته بعرج بسيط كان يؤثر على سيره فيما بعد؛ مما اضطره إلى السير بمساعدة عصا للتغلب على هذا العرج. ولما أخلي سبيل الأمير تم إبقاؤه تحت المراقبة لمدة ستة شهور أخرى.
انتظر والد عبد الكريم عودة ابنه الأكبر من مليلة، وابنه الأصغر من مدريد ثم أعلن القطيعة مع الإسبانيين، ولهذا اعتبرته إسبانيا عدوًّا مناوئًا لها.
وصمم والد الأمير عبد الكريم على مقاومة الإسبان وإخراجهم من البلاد، وفي أغسطس 1920م لما قام الإسبان باحتلال (تافارسيت)، التي تقع في أعالي نهر القرط على الطريق الموصل من مليلة إلى الحسيمة، قام الشيخ على رأس قوة من رجاله بمهاجمتهم، ولكنه توفي أثناء الطريق، فخلفه في رئاسة القبيلة ومنطقة الريف ابنه الأمير عبد الكريم الخطابي، الذي عزم كل العزم على الجهاد لإخراج الإسبان من البلاد.
بلاد الريف في المغرب الأقصى:
يمكن تقسيم المنطقة الشمالية من المغرب الأقصى إلى قسمين:
- القسم الشمالي: ويمتد من مليلة إلى سبتة.
- الجزء الغربي: الممتد من طنجة حتى العرائش.
