شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي (1-3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وبينما كانت منطقة (الجبال) التي تقع إلى الغرب وإلى الجنوب من طنجة قد تأثرت بالوجود العربي فيها؛ خاصة في ظل وعورة تضاريسها وقلة صعوبة مواصلاتها، فكانت منطقة (الريف) والتي تقع إلى الشرق من المنطقة السابقة وتمتد فيها سلاسل الجبال الشاهقة، يحتفظ أهلها بلغتهم البربرية رغم اعتزازهم بالإسلام، وقد عرفت قبائل الريف تاريخيًّا منذ القدم باسم: (الأمازيغ).

وهذه المنطقة احتفظت دوما باستقلالها حتى خلال حكم الإمبراطورية الرومانية القديمة لبلاد المغرب، ورغم خضوع الجزائر وطنجة للحكم البيزنطي وقتها.

وتعتبر قبيلة (بنو ورياغل) أكبر وأشهر قبائل بلاد الريف، وتسكن هذه القبيلة الإقليم المواجه لميناء (الحسيمة)، مما جعلها أكثر تفتحًا على الغرب من غيرها، وهي تمتلك الأراضي الزراعية مما جعلها أكثر قوة من غيرها، وقد زاد احتفاظها بميناء الحسيمة من قوتها وأهميتها؛ خاصة في علاقتها بالخارج مع احتفاظها دوما باستقلالها وحريتها.

ومع بداية السنوات الأولى من القرن العشرين كانت القبيلة قد اختارت والد الأمير عبد الكريم الخطابي أميرًا لها، فكان بذلك صاحب أكبر قيادة في قلب إقليم الريف.

وبلاد الريف معقل الأمير عبد الكريم الخطابي هي ذلك الإقليم الشمالي الذي يمتد من حدود الجزائر شرقا حتى مضيق جبل طارق وطنجة غربًا، وله واجهة غربًا تطل على المحيط الأطلسي، تمتد حتى ميناء العرائش عند مصب نهر اللوكوس، وهي بلاد جبلية، فيها سلاسل من الجبال الشاهقة، تمتد من الشرق إلى الغرب، يصل ارتفاع قمم بعضها إلى ثلاثة آلاف متر، ولهذه الجبال سفوح من جهة الشمال، تنحدر صوب البحر الأبيض المتوسط، وغالب انحدارها على طولها انحدارًا صعبًا إلا في بضعة أماكن قليلة؛ ولذلك فمع طولها فموانيها قليلة، مما جعل لهذه الموانئ أهميتها، وترتيب هذه الموانئ من الشرق إلى الغرب هي: مليلة، الحسيمة، تطوان، (لكنه ميناء داخلي)، وأخيرًا سبتة التي لها أهمية إستراتيجية كبيرة؛ لكونها تقع على المدخل الشرقي لمضيق جبل طارق، فلها دور في التحكم في الملاحة والتموين في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، كما أنها تقع كذلك في مواجهة الساحل الإسباني، أما انحدار تلك الجبال جنوب طنجة وغربا صوب المحيط الأطلسي فهو انحدار بسيط.

وقد شهدت هذه المنطقة بعد دخول الإسلام فيها واعتناق أهلها له أحداثًا كثيرة وكبيرة، أقام خلالها المسلمون من العرب والبربر دولتهم في الأندلس بتاريخها العظيم حتى سقوطها في عام 1492م، وهي نفس الفترة التي عرفت فيها أوروبا الغربية الاكتشافات الجغرافية والعالم الجديد، فانفتحت آفاق جديدة أمام الإسبانيين لإقامة دولة قوية.

كانت بلاد المغرب منقسمة مفككة إلى وحدات إدارية فيها أكثر من سلطان، في فاس وفي مراكش وفي إقليم السوس، وقد تمكن الأشراف السعديون من توحيد أقاليم المغرب الأقصى، لكنهم فشلوا من الناحية العملية في فرض سلطتهم المباشرة على إقليم الريف الجبلي، وحينما انهارت سلطة السعديين ظهرت بعدها أسرة العلويين التي عجزت أيضًا بعد حملات متعددة عن إخضاع بلاد الريف إداريًّا أو عسكريًّا، فكان خضوع بلاد الريف خضوعًا اسميًّا يتمثل في الدعاء للسلطان يوم الجمعة بالنصرة.

وقد شهدت بلاد المغرب صراعًا في القرن السادس عشر بين أمراء البحر الجزائريين المتحدين مع القوة البحرية العثمانية التي كانت تعمل في الموانئ في البحر المتوسط سواء في الجزائر أو في إقليم الريف وبين العلويين أصحاب القوة البرية التي نمت داخل فاس ومراكش في إقليم المغرب الأقصى، والتي انتهت بعقد اتفاق لتحديد الحدود بينهما.

وهكذا لم تشهد أقاليم المغرب في ظل ظروفها الجغرافية الصعبة وطبيعة تكوينها وحدة فعلية تخضع لقيادة واحدة، لكن بقيت تربط بينها الرابطة الإسلامية.

ولما زاد ضعف السلطة المركزية في المغرب الأقصى بعد عصر المولى إسماعيل، والمولى محمد بن عبد الله، تفككت السلطنة المغربية وضعف امتداد سلطتها داخل إقليم الريف، وأدَّى ذلك إلى تولي رجال الريف أمور إقليمهم بأنفسهم، وإن كان ذلك لم يكن معترفا به دوليًّا.

وقد تمكَّنت إسبانيا والبرتغال من احتلال طنجة وسبتة ومليلة والسوس، وكلها تقع على سواحل بلاد الريف حيث كانت مقاومة المجاهدين الجزائريين البحريين فيها ورجال الريف، بينما كان أكثر كفاح السلطان في المغرب الأقصى ضد القوى الأوروبية الاستعمارية المتنامية على السواحل المطلة على المحيط الأطلسي، والتي تبعها عقد اتفاقيات بين الطرفين تنص على وقف القتال أو الصلح.

الصراع الأوروبي حول المغرب العربي:

كان النظام الاقتصادي في أوروبا يتطور من نظام إقطاعي إلى اقتصاد صناعي وتجاري يعتمد على رأس المال ويحتاج إلى مواد خام وأسواق للتوزيع، فبدأ اهتمام الدول الأوروبية بالأقاليم المغربية والتصارع عليها؛ خاصة مع الأهمية الإستراتيجية لسواحلها، وزادت تلك الأطماع الأوروبية الاستعمارية في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

ومن الناحية الاقتصادية: كان التبادل التجاري بين دول غرب أوروبا والمغرب العربي في صالح الأوروبيين. كان المغرب العربي يقوم على إنتاج المواد الزراعية والحيوانية، وموارده هي القمح والصوف والجلود.

وفي المقابل كان المغرب العربي يحتاج إلى الأدوات المصنعة والأنسجة والشاي والسكر، وإلى البنادق والبارود، فكان هناك التبادل التجاري بين الطرفين، وفي فترة انخفاض أسعار المنتجات الزراعية وارتفاع أسعار المنتجات الصناعية كان دائمًا الميزان التجاري في صالح الأوروبيين، وترتب على ذلك حاجة السلطات في المغرب إلى الحصول على رؤوس أموال أوروبية، وبدأت مشكلة الديون الخارجية، مع زيادة فرض الضرائب على الأهالي.

الصفحة السابقة الصفحة التالية