شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (106) دعوة إبراهيم --صلى الله عليه وسلم-- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (10)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( ‌وَإِذْ ‌قَالَ ‌إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين َ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) (الأنعام: 74-83) .

قوله -تعالى-: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) فيه فوائد:

الفائدة الأولى:

تقدَّم كلام الإمام ابن كثير -رحمه الله-، أن قوم إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- كانوا يعبدون الكواكب، فأراد إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- أن يبيِّن لهم بطلان عبادتها وعدم صلاحيتها للإلهية، وبيَّن ذلك بأمورٍ متتابعة؛ مَن تأملها جزم بأن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- كان مُنَاظِرًا لقومه يريد أن يقيم عليهم الحجة، فبيَّن لهم الأمر الأول في الكوكب -وهو الزهرة كما قالوا، أو غيرها-، وهو: الأفول والغياب.

الفائدة الثانية:

قوله: ( هَذَا رَبِّي ) معناه -على القول الصحيح-: أنه كان مناظرًا، وأنه نوع من التعريض؛ أي: أهذا ربي؟! أي: أهذا يصلح للعبادة؟! بحذف أداة الاستفهام، ويكون الغرض عنده هو الاستنكار، والغرض الذي يفهمونه هو التفكر في صلاحية الكوكب للعبادة، فإذا تبيَّن أنه لا يصلح بطلت عبادته وعبادة غيره من الكواكب، وهذا حقيقة التعريض، وهو: أن يقول الإنسان كلامًا يقصد به معنى صحيحًا في نفسه ويفهم السامع منه غير ذلك، وهو نوع كذب، لكنه إذا اقترن به غرض شرعي صحيح لم يكن كذبًا محرمًا.

وهذا معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في حديث الشفاعة الطويل: " لستُ لها، لستُ لها، إني كذبتُ ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله " ، وذكر منها قوله عن الكوكب: "هذا ربي " ؛ فقد قصد معنى صحيحًا، وهو: الاستنكار، وفهموا هم غير ذلك؛ لأجل أن تقوم عليهم الحجة ببطلان هذه الآلهة.

الفائدة الثالثة:

حاجة العابد إلى محبة إلهه ومعبوده على الدوام، لا يستطيع أن يتركها وقتًا من الأوقات، وأصلا العبادة: الحب والخضوع؛ فكيف يستغني عن محبته وعبادته فترة أفوله وغيابه دون أثر لوجوده؟!

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه: "الفوائد": "اعلمْ أنّ قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلهًا حقًّا؛ إذ الإله الحق لا شريك له، ولا سمي له، ولا مثل له، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها؛ إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار، ويستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين.

إذا عُرِف هذا؛ فاعلم أن حاجةَ العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل له، والتعظيم والسجود والتقرُّب، أعظم مِن حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تُقَاس به؛ فإن حقيقةَ العبد روحُه وقلبُه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها مِن لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه، وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل، لم يدم له ذلك، بل ينتقل مِن نوعٍ إلى نوعٍ، ومِن شخصٍ إلى شخصٍ، ويتنعم بهذا في وقتٍ ثم يتعذَّب به ولا بد في وقتٍ آخر ( قلتُ: قال الله -عز وجل-: ( فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ? إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) (التوبة: 55) .

وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد وتخرقه، وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذَّب به القلب من محبة غير الله، وهو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين، ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحُجَّة البالغة، كما له النعمة السابغة.

الصفحة التالية