ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي (2-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وخلال الأسابيع التالية أرسلت إسبانيا قوة بلغت 60 ألف جندي إلى مليلة بقيادة الجنرال (بيرنجر)، الذي قام بهجوم مضاد في 12 سبتمبر 1921م، لكنه عجز عن احتلال جبل (خورخو) الذي يتحكم في مليلة من الجنوب الغربي إلا في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر، واحتاج إلى شهر آخر لبلوغ خط نهر القرط، ثم احتلال الشريط الساحلي الواقع بين نهري القرط والمليلة قبل نهاية العام.
وفي 10 يناير 1922م احتل (دارداريوس) في أعالي وادي القرط بعد أن بلغ تعداد قواته 150 ألف جندي، واكتفى الجنرال بيرنجر بهذا الحد؛ فأوقف هجومه المضاد على قطاع البلاد الشرقي في مليلة حيث رأى ضرورة إخضاع القطاع الغربي من البلاد قبل الاستمرار في إخضاع باقي القطاع الشرقي؛ خاصة بعد عجز الجنرال عن الحصول على المزيد من الانتصارات الجديدة في مواجهة رجال عبد الكريم الخطابي؛ نظرًا لحاجته للحصول على انتصارات جديدة لإرضاء الرأي العام في إسبانيا لإعادة ثقة الإسبان في قادتهم العسكريين. وكان موقف الإسبان في القطاع الغربي قد ساء؛ خاصة في ظل وجود تعاون مشترك بين رجال الريف ورجال المقاومة في القطاع الغربي.
وكانت قوة من رجال الريف المجهزة بالمدفعية التي سبق الاستيلاء عليها من الإسبان قد قامت في 21 أكتوبر 1921م بالهجوم على المواقع الإسبانية الواقعة على خط المواصلات بين (تطوان) و(شفشاون) بمساعدة من رجال القطاع الغربي، وبعد معارك عنيفة استطاع الإسبان بصعوبة سحب حامياتهم في 19 نوفمبر.
ورغم نجاح قوات الجنرال بيرنجر في (الجبالا) من الاستيلاء على (تازاروت) في القطاع الغربي إلا أن الجنرال اضطر إلى الاستقالة حينما شعر أن حكومة مدريد تنوي التضحية به إرضاءً للرأي العام الإسباني؛ خصوصًا بعد اتهامه بتوريط الحكومة الإسبانية في شمال المغرب.
في مواجهة الجنرال برجيت:
جاء الجنرال (برجيت) خَلَفًا للجنرال (بيرنجر)، فسعى إلى التفاوض مع رجال القطاع الغربي من البلاد حتى يتسنى له تركيز قواته في قطاع الأمير عبد الكريم، وأسفرت المفاوضات التي امتدت من 6 أغسطس حتى 28 سبتمبر 1922 عن قبول الإسبان للجلاء عن (تازاروت)، وقبول دفع تعويضات عما سببته عملياتهم الحربية من أضرار في المنطقة، وقبول نقل جميع الضباط والموظفين الإسبان والوطنيين ممَّن لا يرضى عنهم أهالي المنطقة، وقد قبل الجنرال برجيت كل هذا الثمن الباهظ للتفرغ لمواجهة قطاع مليلة، ورغم إحراز الإسبان لبعض الانتصارات المحلية في القطاع؛ إلا أنهم منوا بهزيمة ساحقة في (تيزي عزة) أوقفت تقدمهم نهائيًّا.
تمكَّن الأمير عبد الكريم في هذه المدة من مدِّ نفوذه إلى كل بلاد الريف؛ فتوحَّدت قبائل شمال المغرب لأول مرة تحت حكومة موحدة، وتم اتخاذ (أجدير) عاصمة لتلك الدولة الجديدة، وهي قرية صغيرة تبعد بضعة كيلو مترات من خليج الحسيمة، الذي كان الإسبان يعسكرون على ساحله الضيق أسفل الجبل.
وقد قام أبناء الريف بتحصين عاصمتهم، وتمكَّنت مدفعيتهم من ضرب وإغراق السفن الإسبانية التي تقوم بتفريغ حمولتها من الذخائر والتموين في الحسيمة، وذلك ردًّا على قرار حكومة مدريد بتطبيق الحصار البحري على سواحل الريف الذي صدر في 18 مارس عام 1922م.
شهد شهر يناير 1923 مفاوضات بين مندوبي إسبانيا والأمير لإخلاء سبيل مَن بقي مِن الجنود الإسبان الأسرى نظير أربعة ملايين (بسيطة) إسبانية، مع إخلاء سبيل المغاربة نزلاء سجون مليلة وسبتة وتطوان، وأغلبهم من المسجونين السياسيين.
وفي صيف 1923م شدد الأمير هجومه على خطوط الإسبان، وفي شهر يونيو شن رجال الأمير هجومًا مفاجئًا على المواقع الإسبانية في (وادي لاو)، الذي يمر فيه الطريق الموصل بين (تطوان) و(شفشاون) في القطاع الغربي، ورغم التفوق العددي الكبير للإسبان؛ فإن جبهة (وادي لاو) انكسرت خلال شهر أغسطس، وقد تمكَّن رجال القبائل من قطع الطريق بين تطوان وشفشاون نهائيًّا، كما استطاعوا محاصرة قوة إسبانية كبيرة بلغت ثلاثة آلاف جندي على مسافة 50 كيلو متر من قاعدتهم، كما قاموا كذلك بقطع الطريق الموصل بين تطوان وطنجة.
وفي أوائل شهر سبتمبر أخذ رجال الريف يهاجمون الإسبان على مسافة لا تبعد أكثر من ثلاثة كيلو مترات من تطوان نفسها التي تعد مقر الحماية الفرنسية.
وفي 29 سبتمبر تمكَّن الإسبان من فك حصار شفشاون بعد معارك استمرت لمدة عشرة أيام، بينما حقَّق أبناء الريف انتصارات أخرى في بلاد الجبالا، وقد انسحب عددٌ كبيرٌ من الإسبان من مواقعهم للعودة إلى مشارف تطوان حيث القوات الإسبانية المدعومة.
وقد تكبَّدت القوات الإسبانية في مدة الستة أشهر الأخيرة من عام 1924م خسائر بلغت 21250 بين قتيل ومفقود وأسير من الضباط والجنود؛ مما ألجأها للانسحاب إلى الساحل، وعرضت حكومة إسبانيا على الأمير الحكم الذاتي تحت الحماية الإسبانية، لكن الأمير رفض، طالبًا استقلال دولته وانسحاب الإسبان منها، ودفع إسبانيا تعويضات عن خسائر سنوات الحرب.
من جديد نجحت القوات الإسبانية في إعادة فتح الطريق بين طنجة وتطوان، واستخدامه كممر بين الثوار المغاربة، مع تطويق منطقة طنجة لمنع القبائل الثائرة من بيع محصولاتها فيها أو شراء حاجاتها الضرورية، كما قامت أيضًا بحصار (الإنجارا) في آخر شهر يناير 1925م، وقامت بضرب القرى بقنابل الطائرات.
في المقابل: استمر الأمير عبد الكريم في تدعيم سلطته ومد نطاق دولته في منطقة الجبالا، وفي شهر مايو 1925م بدأت المفاوضات للوصول إلى هدنة، على أساس وقف القتال وعدم تحرك القوات أو الحاميات الإسبانية من مواقعها، ولكن هذه المفاوضات انقطعت ولم تستمر.
توغل فرنسا في بلاد المغرب:
