شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي (2-3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

في أوائل عام 1924م قامت القوات الفرنسية بالتقدم في منطقة نفوذها في بلاد المغرب المتفق عليها من قبل مع إسبانيا، فقامت باحتلال إقليم (وزان) الواقع في السهول المطلة على المحيط الأطلسي والمجاور للحد الغربي للمنطقة الإسبانية؛ هذا في الوقت الذي كان الفرنسيون يسيطرون فيه على ممر (تازا) الذي يفصل قبائل الأطلس عن قبائل الريف الثائرة، ويسعون للوصول إلى منطقة أعالي وادي (الورغة) التي تقع بين وازان وتازا وإلى الشمال من فاس؛ خاصة في ظل عدم وجود الرسم النهائي بين المنطقتين: الفرنسية والإسبانية هناك.

اتفقت فرنسا بعد احتلال ما يخصها في منطقة نفوذها في المغرب مع القيادة الإسبانية، أن تتقدم قوات كل منهما من الجنوب ومن الشمال لاحتلال المنطقة المشتركة بينهما، وبالفعل تقدَّم الفرنسيون في شهر مايو 1924م، وعبروا نهر (الورغة) دون التعرض لأي مقاومة، ثم تمكَّنوا من صد محاولة من أبناء الريف لتطويق المنطقة.

ونظرًا لانسحاب القوات الإسبانية إلى الساحل لم تتصل القوات الفرنسية المتوجهة شمالًا بأي قوات إسبانية، بل وجدت نفسها في مواجهة الثوار من أبناء الريف، فوقعت عمليات كثيرة بينهما ذاقت فيها القوات الفرنسية مرارة الهزيمة؛ لذا قرَّر الفرنسيون إنشاء خط دفاع ثابت للدفاع عن منطقتهم في مواجهة أبناء الريف، ثم تقدَّم الفرنسيون في سبتمبر 1924م في اتجاه شمال الورغة، وفي اتجاه الركن الشمالي الشرقي للمنطقة الإسبانية، لمطاردة أهل الريف داخل الحدود الإسبانية.

صمم الأمير عبد الكريم على تحرير المناطق التي احتلتها فرنسا خلال عام 1924م، لكن لم تكن فرنسا لتقبل أن يهدد الأمير نفوذها في شمال إفريقية، ولم تكن لتقبل التراجع عما حصلت عليه في المغرب الأقصى، بل سعت لمد النفوذ الفرنسي إلى أقصى درجة ممكنة؛ لذا كان لا بد من وقوع الصدام بين المعسكرين، وهكذا قبل أن يسوي الأمير نزاعه مع إسبانيا، أصبح كذلك في مواجهة مع فرنسا التي كانت في ذلك الوقت أكبر دولة حربية في العالم الغربي.

وكان احتلال فرنسا لأعالي نهر الورغة يجبر الأمير عبد الكريم على مواجهتها؛ فوادي الورغة هو المورد الأساسي للغلال لأهل الريف، وكانت القبائل التي تسكن أعالي الوادي قد قَبِلَت الانضمام لدولة الأمير؛ خاصة وقد عَمِل من قَبْل على تحريرهم من الإسبان، كما أن عددًا من أهالي قبيلة الأمير كانت تسكن المنطقة؛ كل ذلك أوجب على الأمير مواجهة فرنسا وإسبانيا معًا في وقتٍ واحدٍ وجهًا لوجه.

مواجهة فرنسا:

في 13 أبريل 1925، بدأ هجوم رجال الريف على القوات الفرنسية في المغرب الأقصى والتي بلغ عددها 72500 جندي، واستطاع الثوار التوغل في الخطوط الفرنسية وإثارة بعض القبائل خلفها، وقد تأزم الوضع في قطاع (تازة) حين حاول رجال الريف الوصول إلى المناطق التي لم تكن قد خضعت بعد للفرنسيين جنوب المدينة، والوصول كذلك إلى منطقة الأطلسي، ولكن لم تكلل جهود رجال الريف بالنجاح بعد خوض معركة عنيفة (معركة تازا)، لكنهم تمكَّنوا من قطع السكة الحديد في المنطقة الواقعة بين تازا وجرسيف.

أثارت انتصارات الأمير عبد الكريم الرأي العام في فرنسا، فتم تغيير القيادة الفرنسية وزيادة إمداداتها، والعمل على التعاون مع الإسبان في المغرب الأقصى.

التعاون الفرنسي الإسباني:

سعت فرنسا منذ شهر يوليو 1925 للتعاون مع إسبانيا وتوحيد مجهوداتهما في مواجهة الثورة التحررية في شمال المغرب، وكان الرأي العام الإسباني في ذلك الوقت متقبلًا للتعاون مع فرنسا بعد هزائم إسبانيا المتكررة، وخسائرها الكبيرة في منطقة الريف، كما أن الانتصارات التي سجَّلها الثوار ضد القوات الفرنسية، جعلت فرنسا أيضًا تسير في اتجاه توحيد القوتين في مواجهة الثوار.

الصفحة السابقة