شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي (2-3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد زَحَف الجنرال الإسباني (سيلفيستر) بجيشه من قاعدته في مليلة لاحتلال إقليم الريف المغربي وإخضاع أهله، وكانت مجموع قوات الجنرال سيلفستر 24 ألف جندي، منهم 4 آلاف من مجندي المغاربة، فدفع منهم 21 ألف جندي مجهزين بالأسلحة والمدفعية والمدافع الرشاشة لتحقيق خطته.

تقدَّم الجنرال بقواته في شهر مايو 1920م إلى غرب نهر القرط، واحتل منطقة (دار داريوس)، ثم احتل (تافارسيت)في شهر أغسطس، ولما لم يلقَ أي مقاومة وطنية؛ واصل تقدمه حتى احتل (أنوال) في 15 مايو 1921م، واحتل في أول يوليو جبل (عبران) الذي يقع على بعد 12 كيلو متر من أنوال، ويطل على ميناء الحسيمة ومنطقة (أجدير) مركز قبيلة (بنوورياغيل) التي تدين للأمير عبد الكريم الخطابي بالولاء.

في مقابل ذلك، عمل الأمير عبد الكريم الخطابي على زيادة عدد رجاله لدخول المعركة ضد الإسبان الزاحفين نحوه، وقام بتنظيم هؤلاء الرجال وتدريبهم تدريبًا جيدًا، وتوزيعهم على مواقع في الجبال، مع تنظيم عملية الاتصال والربط بينهم.

كانت المواقع منتشرة على سفوح الجبال وقممها، ونظرًا لطبيعة المنطقة الجبلية، فكانت الطرق والمسالك الموجودة -والتي تسمح بمرور قطع المدفعية وقوافل التموين- قليلة العدد؛ لذا كان من السهل توقع تلك الطرق التي ستمر منها القوات الإسبانية المتحركة، وبالطبع الإعداد لاصطيادها من مواقع منتشرة في كل مكان حول تلك الطرق، وهي مواقع يصعب على العدو اكتشافها بسهولة للعامل معها، وبهذا التنظيم لمجاهدي الريف وحسن الضبط والربط تمت تهيئة الظروف لانتصار المجاهدين.

وأثناء تلك الفترة حَذَّر الأمير عبد الكريم الجنرال سيلفستر من مغبة الاستمرار في التقدم بقواته والدخول في مناطق لا تعترف بالحماية الإسبانية، ولكن الجنرال كان قد أعماه غروره بنفسه وبقواته؛ فأصم أذنيه عن هذا التحذير، ورد عليه ردًّا جافًّا ذَكَر فيه: أن إسبانيا لها من القوة ما يمكنها من الذهاب أينما شاءت! وقد اعتقد الجنرال بقدرته على فرض حكمه على البلاد؛ خاصة أنه خلال تقدمه الأول لم يجد مقاومة، وحقَّق عدة انتصارات سريعة متتالية خلال أسابيع قليلة، ولم يتوقع الجنرال أن هذا كان استدراجًا متعمدًا له ولقواته مِن قِبَل الأمير عبد الكريم للدخول في المناطق الجبلية الوعرة التي طبيعتها عند المواجهة في صالح الوطنيين.

معركة أنوال:

ما إن احتل الإسبان جبل (عبران) حتى قام رجال (بنوورياغل) بمهاجمتهم في نفس الليلة، وتمكَّنوا من احتلال الجبل، وكانت القوة الإسبانية الموجودة على الجبل تتكون من 250 جنديًّا مسلحًا، منهم مائتان من المجندين المغاربة، وما إن بدأ القتال حتى أسرع المجندون المغاربة بترك مواقعهم وانضموا بما معهم من أسلحة إلى إخوانهم المغاربة المهاجمين.

واصل أبناء الريف هجومهم على كلِّ مواقع الإسبان التي احتلوها ومحاصرتها، واضطرت حامية (إيجربين) الإسبانية إلى طلب النجدة السريعة من الجنرال سيلفستر، وقد حاول الجنرال نجدتها بإرسال طابور عسكري للقيام بذلك، ولكن الطابور الإسباني فشل في فك الحصار أو الاتصال بالقوات المحاصرة.

ولتدارك الموقف السيئ، اضطر الجنرال سيلفستر إلى تجميع جميع قواته كلها الموجودة في قطاع مليلة، وتركيزها في أنوال، ثم الانطلاق منها لفك حصار (أجربين)، وبدأ محاولة فك الحصار في 21 يوليو، ولكن رجال الريف الذين حصنوا خطوطهم ردوا الإسبان القادمين من جديد، وأمام تردي الأوضاع قرر الجنرال الإسباني إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فأصدر أمره بإخلاء أيجربين والانسحاب منها.

ولما شعر الجنرال أنه قد فقد السيطرة على الموقف، وأن قواته الرئيسية التي جمعها في أنوال انخفضت روحها المعنوية، وباتت مهددة بعد تطويق رجال الريف لها؛ أصدر أمره بالانسحاب من أنوال نفسها، والعودة إلى مليلة، فكان التقهقر والهزيمة الساحقة.

ومع اندفاع القوات الإسبانية على الطريق الموصل إلى مليلة، سادت حالة من الذعر والفوضى، وفرَّ معظم جنود الحاميات الإسبانية من مواقعهم العسكرية الموزعة على الطريق بين أنوال ومليلة، ومَن بقي منهم في مكانه اضطر إلى التسليم، بينما قام المجندون المغاربة في القوات الإسبانية بالانفصال عن تلك القوات والانضمام إلى إخوانهم من رجال الريف، ولم يأتِ يوم 25 يوليو إلا وكان كل الإقليم حتى أسوار مليلة قد وقع في أيدي المجاهدين.

تمكَّنت بقايا من القوات الإسبانية المتقهقرة من الوصول إلى ما يقرب من 40 كيلو متر من مليلة بعد أن فقدت قطع المدفعية ومعظم أسلحتها وذخائرها وموادها التموينية، ثم تعرَّضت إلى الحصار الشديد في مواقعها أمام مليلة من قبل القوات المغربية، فلم تستطع الوصول إلى قاعدتها الرئيسية، وفشلت محاولات القائد العام الإسباني الذي قدَّم إلى مليلة يوم 23 يوليو في إنقاذ بقايا الجيش؛ إذ لم يستطع الإسبان الخروج من المدينة أو الاتصال بالقوات المحاصرة.

وفي النهاية اضطر قائد القوات المحاصرة إلى الاستسلام مع قواته لقوات التحرير المغربية في 9 أغسطس، وحمل القائد أسيرًا إلى الأمير عبد الكريم الخطابي، وطبقًا للمصادر الإسبانية فقد اعترفت إسبانيا بفقد 14772 من جنودها، وفقد 29504 بندقية، و392 مدفع رشاش، و129 مدفع ميدان؛ بالإضافة إلى وقوع 570 جندي في الأسر؛ فكانت هذه هزيمة ساحقة لم تعرف مثلها الجيوش الأوروبية فيما وراء البحار! وترتَّب على ذلك أن شغلت -وبقوة- المسألة المغربية ومشكلة بلاد الريف، الرأي العام في إسبانيا.

في مواجهة الجنرال بيرنجر:

رغم الانتصار التاريخي للأمير عبد الكريم على الإسبان في معركة أنوال، لكنه لم يزحف لاحتلال قاعدتهم في ميناء (مليلة) رغم ما كانت عليه حاميتها الضعيفة، وذلك لافتقار أبناء الريف لوسائل الدفاع البحرية والساحلية.

وفي المقابل: ركَّز الأمير عبد الكريم جهوده على تزويد قواته بالمعدات والأسلحة والذخائر من خلال الغنائم التي حصل -ويحصل- عليها من الإسبان، ومن الأموال التي تسلمها في مقابل إطلاق سراح الأسرى من الإسبان، وحرص كذلك على ضم كل رجال الريف و(الجبالا) إليه لمشاركته في مقاومة الإسبان.

الصفحة التالية