ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي (3-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
أما القوات الفرنسية فقد بلغت بعد وصول الإمدادات الكبيرة لهم في المغرب في أوائل شهر يوليو 11 كتيبة من الفرنسيين، وقوة كبيرة من وحدات المدفعية والوحدات المساعدة؛ بالإضافة إلى المجندين من التونسيين والجزائريين والمغاربة الذين جندتهم فرنسا في قواتها الاستعمارية، وعند بداية الهجوم الفرنسي في الخريف في 10 سبتمبر كان هناك 7 فرق كاملة تحت القيادة الفرنسية، اثنتان في كل قطاع على الجبهة من القطاعات الثلاث، وواحدة تمثِّل قوة احتياطية في مدينة (فاس)، وقد اشتملت تلك الفِرَق السبع على 114 كتيبة مشاة، و25 كتيبة فرسان و22 سربًا من الطائرات في كل سرب منها 6 طائرات، فكان مجموع هذه القوات 158 ألف جندي، منهم 12 ألف من الفرنسيين، و12800 من أجناس أوروبية، و133 ألف من أهالي ومجندي بلاد المغرب، أي: بنسبة 85 % من مجموع القوات، وذلك أن فرنسا أصبحت تعتمد على القوة البشرية الموجودة في شمال إفريقية للمحافظة على حكمها في مناطق نفوذها؛ إذ إن الرأي العام الفرنسي كان قد أجبر الحكومة على السير في هذه السياسة نتيجة لانخفاض نسبة المواليد في فرنسا، ونتيجة لخسائر فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وعدم ترحيب الرأي العام الفرنسي بالخدمة في شمال إفريقية.
وقد بلغت خسائر الفرنسيين مع نهاية شهر يوليو 1275 قتيلًا و5306 جريحًا، ولكنها زادت خلال الهجوم الخريفي المضاد من أول أغسطس حتى 15 أكتوبر بعدد جديد بلغ 891 قتيلا و2991 جريحا، لكن كان القسم الأكبر منهم من أبناء المغرب العربي الذين خسروا إسلامهم فباعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، وقد كلفت العمليات الحربية فرنسا حتى 21 أكتوبر مبلغ 950 مليون فرنك علاوة على معدات أرسلت من فرنسا قيمتها 400 مليون فرنك.
أما القوات الإسبانية الموجودة في شمال إفريقية؛ فقد بلغ عددها 69290 إسبانيا بعد انسحاب عام 1924 علاوة على 15 ألف جندي من المغاربة، وقد زادت القوات مع الإمدادات في هجوم الخريف إلى 118 ألف جندي أغلبيتهم الساحقة من الإسبان، وهذا يعني أن مجموع القوتين الفرنسية والإسبانية في شمال المغرب بلغ نحو 280 ألف جندي في مواجهة 60 ألف من المجاهدين.
وقد أثبت واقع الأمر بعد توقف العمليات بسبب الأحوال الجوية أن الصراع بين الطرفين المتحاربين سيكون صعبًا وطويلًا؛ فبعد أن نجح الأمير عبد الكريم في هجومه في الربيع في تحطيم خط الدفاع الفرنسي عند الورغة والوصول إلى أبواب تازا، فإن الفرنسيين والإسبان قد نجحا في هجومهما المضاد في الخريف، وحقَّقوا انتصارات جديدة ضد قوات الأمير.
جاء الشتاء على المجاهدين بما فيه من البرد القارس وسقوط الأمطار، وتغطية قمم الجبال بالثلوج وانهيار بعض جوانب الطرق، بما يعني صعوبة المواصلات، ونقص التموين في ظل تطويق القوات الاستعمارية البرية من الجنوب، وتطويق سفن الأساطيل الفرنسية والإسبانية للسواحل الشمالية، وقد ساهم ذلك في إنهاك قوى المجاهدين، وفي التأثير على روحهم المعنوية رغم بقاء الإصرار على المقاومة.
وكانت ضخامة إمكانيات القوى الاستعمارية في مواجهة المجاهدين تجعل الفارق كبيرًا بين معدات وأسلحة وتموين الطرفين؛ خاصة في ظل التعاون بين فرنسا وإسبانيا، فمع ازدياد عدد القوات والأسلحة والمعدات ظهرت أسلحة جديدة منها المدرعات (المصفحات) ومدافع الجبال مع زيادة في عدد الطائرات لاستخدامها في عمليات الاستكشاف وتوجيه المدفعية مما يصير معها فاعلية أكبر للقوات، وأصبح بالتالي على الثوار مواجهة المصفحات الفرنسية على الأرض والطائرات الفرنسية المغيرة في السماء.
وزاد الأمر صعوبة: ترابط المصالح الاقتصادية بين الدول الأوروبية الاستعمارية، وازدهار الاقتصاد الأوروبي القائم على التسلُّط على بقية العالم واستغلال مناطقه، مع فقد المجاهدين معه تحرك الضمير العالمي أو حتى وساطة من الدول.
كانت دوافع فرنسا للوصول إلى نتيجة حاسمة في حربها في المغرب تنبع من خشيتها من امتداد نفوذ ثورة المجاهدين إلى ثورات أخرى موازية لها أو متعاونة معها، كما كان الموقف السياسي في فرنسا نفسها يضغط على الحكومة الفرنسية للحل الحاسم في ميدان العمليات، أما دوافع إسبانيا فترجع إلى أن ثورة المجاهدين هي في مناطق نفوذها، وتهدد وجودها فيها.
وقد كان توغل القوات الفرنسية داخل منطقة الريف يهدد بتقسيمها ويؤثر على سهولة الاتصال فيها، وقد سعت القيادة الفرنسية في المغرب من خلال قوات غير نظامية إلى الدخول في أراضي القبائل المجاورة للأمير وإجبار الأهالي على الدخول تحت طاعة الفرنسيين وتقديم الخدمات لهم، كما حدث مع أبناء مصباح من قبائل صنهاجة.
محاولة التفاوض:
ومع توالي استعدادات فرنسا وإسبانيا لمواصلة العمليات الحربية في فصل الربيع استشعر الأمير عبد الكريم خطورة الموقف، فأعلن عن استعداده للتفاوض من أجل الصلح، وعرض السماح للأسرى الفرنسيين والإسبان بالاتصال بذويهم وإرسال الملابس والأدوية والأطعمة لهم، وعليه توجهت بعثة طبية أوروبية إلى (تارجست)، وصحب ذلك اقتراحات جديدة للمفاوضات، ولكن حكومتا فرنسا وإسبانيا كانتا غير راغبتين في ترك الفرصة المواتية لهما أن تفلت منهما، وسعتا بإصرار إلى استغلال تفوق إمكانياتهما المادية والعسكرية في فرض الشروط التي يرغبا فيها بالقوة على رجال الريف.
استمرت المفاوضات بين الطرفين في مؤتمر للصلح من 27 أبريل 1926م إلى 6 مايو، وتأزمت المفاوضات حول نزع سلاح القبائل والاعتراف بالمولى يوسف سلطان المغرب الذي هو تحت الحماية الإسبانية، مقابل الحصول على استقلال ذاتي مشروط.
استئناف القتال:
بدأ الهجوم الفرنسي الإسباني بغارات الطيران وإلقاء قنابلها يوم 7 مايو 1926م، ثم تقدم القوات الفرنسية والإسبانية في صبيحة اليوم التالي صوب (تارجست) من اتجاهين، ورغم المقاومة التي كبدت المهاجمين خسائر كبيرة احتلت القوات الإسبانية (أنوال) يوم 18 مايو، ودخلت قوات غير نظامية من المغاربة (تارجست) يوم 23 مايو، وبين المدينتين أصبح الطريق إلى إقليم (بنووبياغل) مفتوحًا، فطالب الأمير عبد الكريم بوقف القتال.
العودة إلى المفاوضات:
