شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي (3-3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

رأى الأمير عبد الكريم أنه في موقف لا يحسد عليه، فرغم نجاحه في تنظيم رجاله وتسليحهم والنزول بهم إلى العمليات الحربية، ولكنه مع طول مدة الحرب وضعف الإمكانيات، مع فرض الحصار البحري عليه، وتفوق العدو في العدد والعدة، بالإضافة إلى أن الإقليم الصغير الفقير قد تناقصت فيه جهود الزراعة والرعي والإنتاج الضرورية لتوفير القوت للمجاهدين؛ بسبب الانشغال بالعمليات الحربية والإعداد لها؛ فأصبح -في رأي الأمير- الاستمرار في الحرب أطول من ذلك أشبه بعملية انتحارية، وأن دخول قوات الأعداء لنزع سلاح القبائل بالقوة يعني انتشار القتل والسلب والنهب وهتك الأعراض، وما يحمله ذلك من خراب ودمار؛ لذا أجبره كل ذلك على التفاوض.

وقد حاول الأمير في هذا التفاوض أن يحصل على أحسن الشروط الممكنة لبلاده قبل أن تكون لنفسه، وقد عَلَّق الأعداء في هذا التفاوض على الأهمية الكبرى لتسليم الأمير نفسه.

وفي يوم 26 مايو 1926 أمر الأمير عبد الكريم الخطابي بإطلاق سراح الأسرى الأوروبيين الموجودين لديه، وفي صبيحة اليوم التالي دخل الأمير بفرسه وسط خطوط الفرنسيين ليسلِّم نفسه، وقد قابلته القوة الفرنسية مقابلة القائد العسكري فقامت بتحيته التحية العسكرية، وسافر الأمير في اليوم التالي إلى تازا، وقد اتفقت حكومتا فرنسا وإسبانيا على إرسال الأمير عبد الكريم مع أسرته وبعض أتباعه المقربين إلى المنفى في (جزيرة ريونيون).

الأمير في المنفى:

استسلم الأمير لقضاء الله تعالى وقدره، فعاش في المنفى في عزلة من عام 1926م إلى عام 1932م ممتنعًا عن الشكوى؛ رغم سوء المعاملة، وسوء جو الجزيرة الذي لا يناسب رجل من رجال الجبال، حيث كانت درجة الحرارة مرتفعة، ونسبة بخار الماء في الهواء كبيرة تؤثِّر على رئتيه، فكان يقضي أوقاته في قراءة القرآن والصلاة، ورعاية أولاده، والتدريس لهم بنفسه.

بدأ الأمير بعد هذه السنوات الست في الشكوى لحاكم الجزيرة بسبب سوء الأحوال المناخية ومعاناة عائلته؛ خاصة أن أولاده قد شبوا واحتاجوا إلى المزيد من التعليم، وليس هناك داع لتعرضهم للعقوبة معه في هذه الجزيرة المعزولة، ولكن فرنسا التي كانت تحتفل وقتها بمرور مائة عام على احتلالها للجزائر لم توافق على الملاينة مع الأمير.

اختارت فرنسا المولى محمد بن يوسف الابن الثالث للمولى يوسف لكي يصبح سلطانًا على المغرب الأقصى بعد وفاة أبيه عام1927م، وخلال -وبعد- الحرب العالمية الثانية أظهر سلطان المغرب نضجًا وتطورًا، فرأى الوقوف إلى جانب حركة حزب الاستقلال الذي قادها عددٌ من رجال المغرب الأقصى مطالبين بالحصول على بعض حقوق المغرب من فرنسا؛ فتدهورت علاقة فرنسا بالسلطان نتيجة تأييده لحركة حزب الاستقلال، الذي اتخذ قرارًا بمنح سلطان المغرب لقب الملك محمد الخامس.

وقد رأت فرنسا في ازدياد نفوذ الملك تعارضًا مع مصالحها وامتيازاتها، فقررت فيما قررت من إجراءات لمواجهة الملك، الإفراج عن الأمير عبد الكريم وأسرته وأتباعه، وعودته، لكن إلى فرنسا نفسها، وذلك في الأسبوع الأخير من شهر مارس 1947م ليكون ورقة تلوح بها في وجه محمد الخامس بإمكانية عودة الأمير إلى بلاده.

الأمير في القاهرة:

أعدت فرنسا مقرًّا للأمير بالقرب من مرسيليا للعيش فيه، وركب الأمير ومَن معه إحدى السفن، وخلال سير السفينة في قناة السويس، طلب الأمير ومَن معه اللجوء السياسي على مصر، وأعطته القاهرة هذا الحق.

قامت القاهرة مع نهاية الحرب العالمية الثانية بدور رئيسي في تجميع قوى التحرر في العالم العربي؛ خاصة بعد إنشاء الجامعة العربية؛ لذا شهدت مجيء الكثير من الملوك والرؤساء للتشاور بخصوص القضايا والمشكلات العربية، كمشكلة فلسطين ومشكلة استقلال ليبيا، ومشكلة التحرر في دول المغرب العربي، وكانت القوى العربية النامية قد أخذت في النضوج والتكتل للحصول على حقوقها، خاصة بعد ما تعرَّضت له الدول الاستعمارية الأوروبية خلال الحرب العالية الثانية، وظهور دول أخرى كبيرة: كأمريكا، والاتحاد السوفيتي، والصين، وإنشاء منظمة الأمم المتحدة وبعد الإعلان عن حقوق الإنسان.

ورغم أن لجوء الأمير السياسي إلى القاهرة كان يمنعه من الاشتغال بالسياسة؛ إلا أن أحدًا لم يكن في وسعه منع الرجل من ذلك، فشارك في عملية التنظيم والتوجيه للعناصر الجزائرية والمغربية التي كانت تقيم بالقاهرة، واتخذت من الكفاح السياسي سبيلًا لها، والتي كانت تزوره بصفته مجاهدًا وقائدًا، وأبًا روحيًّا لها، وقد شهدت القاهرة نشأة مكتب المغرب العربي، فكان المكتب هو مركز نشاط الأمير السياسي.

بعد ثورة يوليو 1952 أصبح التحرير هو شعار القاهرة، وظهرت جبهة تحرير المغرب فواجهتها فرنسا بالشدة والعنف مما أشعل حركة المقاومة المسلحة بتأييد من القاهرة لتحرير بلاد المغرب العربي، ومع عجز فرنسا عن مواجهة قوات التحرير وجماعات المقاومة، وبعد سيطرة جيش التحرير المغربي على الأقاليم الشمالية والوسطى من البلاد في المغرب، قررت فرنسا إعادة الملك محمد الخامس للبلاد بعد أن كانت قد نفته من قبل، فاستقبله الشعب استقبالًا شعبيًّا كبيرًا، فكانت عودته تعني انتهاء نظام الحماية والاعتراف باستقلال المغرب.

استمر الأمير عبد الكريم في إقامته بالقاهرة، وقد شعر أنها مركز ثقل التحرر للعالم العربي، مما جعله يؤجل عودته لبلاده رغم دعوة الملك محمد الخامس له للعودة إلى بلاده عام 1959؛ خاصة بعد أن تقدَّم سن الأمير وثقلت حركته، واحتاج إلى الرعاية الطبية؛ مما جعله يرغب في أن يدفن في القاهرة، فتحقق له ما أراد فدفن بها بعد وفاته بها في نوفمبر 1962م.

للاستزادة راجع:

- (عبد الكريم الخطابي) د. جلال يحيى - سلسلة أعلام العرب رقم 78 - ط. دار الكاتب العربي - يونيو 1968 م.

الصفحة السابقة