شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي (3-3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بدأت في شهر يوليو عام 1925 المفاوضات بين فرنسا وإسبانيا لمواجهة الأمير عبد الكريم الخطابي معًا، وكان هذا يمثِّل خطرًا كبيرًا على الأمير ودولة الريف؛ فالأمير وإن كان قد حارب الدولتين من قبل، لكن دون أن يكونا متحدين معًا في مواجهته، فتكتلهما معًا عبء جديد يجبره على زيادة مجهوداته.

اتفقت الدولتان على عقد مؤتمر بدأ في يوم 17 يونيو 1925م، وظل حتى يوم 25 يوليو لبحث سبل التعاون بينها في مواجهة الأمير عبد الكريم، وتقرر في المؤتمر:

- ضرورة منع وصول المواد الحربية والذخائر إلى الأمير عبد الكريم الخطابي؛ لذا وقَّعت الدولتان على اتفاقية في 24 يونيو تقضي بفرض رقابة بحرية مشتركة على معظم السواحل المغربية، مع السماح للسفن الإسبانية الحربية باللجوء إلى بعض الموانئ الجزائرية التي تحتلها فرنسا للتموين، وتم إخطار باقي الدول الأوروبية بتلك الاتفاقية.

- التوقيع على اتفاقية ثانية في يوم 21 يوليو لمراقبة التهريب من منطقة (طنجة) الدولية.

رغم توقيع هاتين الاتفاقيتين فإنهما لم يؤثرا تأثيرًا كبيرًا على الأمير عبد الكريم؛ لكونه لديه كميات من الأسلحة والذخائر التي حصل عليها من عملياته الحربية مع المستعمرين.

- عقد اتفاقية تسمح لطائرات كل منهما بالطيران فوق منطقة نفوذ الأخرى لتعقب الثوار وراء الحدود بين المنطقتين، بعد الاتفاق المبدئي على رسم خط مؤقت للحدود بينهما.

- تعهد الدولتين في اتفاقية سياسية وقع عليها في 11 يوليو بعدم عقد صلح منفرد مع الأمير، مع الاتفاق سرًّا على الشروط العامة التي لا يمكن قبول أي صلح بدونها.

وكانت هذه الاتفاقية السياسية أشد الاتفاقات بين الدولتين خطرًا على الأمير؛ خاصة وأن الأمير كان قد بدأ في مفاوضات مع إسبانيا بشأن عقد هدنة بينهما، لكنها توقفت مع بدء المباحثات الفرنسية الإسبانية، وعليه أعلنت إسبانيا أنها لن تعقد صلحًا منفردًا مع الأمير.

وقد وجدت إسبانيا في التعاون مع فرنسا فرصة سانحة لتصفية مشكلة الريف بالقيام بعمليات حربية جديدة وتصحيح فشل انسحابها إلى الساحل، وقد أثار الأمير عبد الكريم مسألة شروط الصلح مع الإسبان والفرنسيين، وتقدم بشروط دبلوماسية لا تبتعد كثيرًا عن الواقع تتضمن الاعتراف بالضفة الشمالية لنهر الورغة على أنها الحد الجنوبي لدولة الريف، والاعتراف بدخول كل منطقة الجبال داخل حدود تلك الدولة، مع إمكانية احتفاظ إسبانيا بقواعدها الأصلية في سبتة ومليلة علاوة على الاحتفاظ بمناجم الحديد التي تقع على بعد خمسة كيلومترات إلى الجنوب من مليلة.

ولما كانت شروط الاتفاق بين فرنسا وإسبانيا تتعارض مع شروط الأمير عبد الكريم للصلح أعلنت حكومتا الدولتين أنه لا يمكن الاعتراف باستقلال الريف المغربي، وأن الحرب ستستمر.

وكانت فرنسا في ذلك الوقت أشد حرصًا من إسبانيا على الدخول في عمليات عسكرية كبيرة؛ خاصة بعد جمعها لقوات عسكرية ضخمة من كل بلاد المغرب.

هجوم الدولتين الاستعماريتين:

عمل الفرنسيون على استعادة المواقع التي خسروها في شمال وادي الورغة، فاستخدموا في قطاع عملياتهم أحدث فنون الحروب إذ بدأوا بضرب القطاع كله بالمدفعية الثقيلة ضربًا متصلًا في 10 سبتمبر، ثم بدأوا الهجوم في اليوم التالي حيث أخذت القوات الفرنسية تتقدَّم بطريقة منتظمة ولمسافات قصيرة حتى تتمكن من فصل ومحاصرة وتطهير كل مرتفع في الانتقال إلى المرتفع التالي، وقد استمرت تلك العمليات في هذا القطاع حتى يوم 27 أكتوبر، بعدها أقام الجنود الفرنسيون مواقع ثابتة لهم في القطاع لكي يمضوا فيها فصل الشتاء، حيث يتعذر استمرار العمليات للظروف الجوية.

وقد تمكَّنت حملة إسبانيه في المدة بين 11 و16 سبتمبر من النزول على الساحل عند نقطة تقع إلى الغرب من خليج الحسيمة، ثم توغلت ابتداءً من 2 أكتوبر في سهل أجدير، بينما كانت القوة الفرنسية الزاحفة من (تازا) تسابق العوامل الجوية للوصول إلى مقدمة القوات الإسبانية الزاحفة من مليلة وأجدير.

وقد اتصل خيالة الفرنسيين المتقدمين من تازا في يوم 6 أكتوبر بخيالة الإسبانيين المتقدمين من مليلة، بينما وصلت قوات الحملة الإسبانية الزاحفة على طريق أجدير إلى (سيدي علي بورقبة) التي تقع على 40 كيلومتر من أجدير في يوم 10 أكتوبر، ولكن الاتصال بين القوات الفرنسية الزاحفة تجاه الشمال والقوات الإسبانية الزاحفة تجاه الجنوب لم يتم.

ومع ازدياد الأمطار توقفت العمليات؛ فاضطرت فرنسا إلى سحب فرسانها من (سيدي علي بورقبة) إلى سوق السبت، وسحب مشاتها إلى مرتفعات خط تقسيم المياه بين الريف وحوض الملوية، وهكذا منعت الظروف الجوية فرنسا وإسبانيا من استكمال العمليات الحربية، بينما اضطر الأمير عبد الكريم إلى نقل عاصمته ومقر قيادته إلى الداخل، إلى الجنوب الغربي من (تارجست).

وقد تمكَّن رجال الأمير في أثناء هذه العمليات من احتلال 9 مواقع فرنسية ونسف موقعين، وإجبار العدو على إخلاء 32 موقعًا؛ أي: أن الفرنسيين خسروا 43 موقعًا من جملة 66 موقعًا لهم، ولكن الفرنسيين تمكَّنوا من استعادة 21 موقعًا، وأنشأوا لهم مواقع جديدة خاصة في قطاع تازا، كما احتلوا مرتفعات تقسيم المياه التي تشرف على جنوب أجدير.

كانت قوات الأمير عند بداية هجوم الربيع قد بلغت 35 ألف مجاهد، منهم 25 ألفًا من الريف و10 آلاف من الجبالا، ثم انضم إليهم رجال كثيرون من القبائل المحررة في منطقة النفوذ الفرنسي، فقدر الفرنسيون قوات الأمير بنحو 100 ألف مقاتل، لكنه خسر ما يقرب من 20 ألف خلال تقهقره في فصل الخريف أمام تقدُّم القوات الفرنسية واحتلالها لأراضي بعض هذه القبائل.

الصفحة التالية