في زمن موت الفجأة... إياك والغفلة!
الشيخ علاء بكر • التزكية
وفي ذم الغفلة وبيان أن كثيرًا من الناس يقعون فيها فتهلكهم، وردت الآيات الكثيرة في ذلك المعنى؛ قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (الأعراف: 179) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ . أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (يونس: 7- 8) ، وقال -تعالى-: ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) (يونس: 92) ، وقال -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ . لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (النحل: 107-109) ، وقال -تعالى-: ( وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) (الروم: 6- 7) ، وقال -تعالى-: ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) (يس: 6) ، وقال الله -تعالى- في قوم فرعون: ( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ . فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ) (الأعراف: 135-136) ، وقال -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ) (الأعراف: 146) ، وقال -تعالى-: ( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) (الأعراف: 172) ، وقال -تعالى-: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ) (الأعراف: 205) ، وقال -تعالى-: ( يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) (الأنبياء: 97) ، وقال -تعالى-: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) (مريم: 39) ، وقال -تعالى-: ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) (الأنبياء: 1- 3) ، وقال -تعالى-: ( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (ق: 50) .
وأسوأ الغفلة ما كانت مع كبر السن وقرب نهاية الأجل، نسأل الله -تعالى- العافية وحسن الخاتمة، قال الله -تعالى-: ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) (فاطر: 37) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- معناه: أَوَلَمْ نعمركم ستين سنة، قال الحسن والكلبي ومسروق: أربعين سنة، ونقل عن ابن عباس أيضًا. وذكر عن أهل المدينة أنهم كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرَّغ للعبادة. وفي قول الله -تعالى-: ( وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) قال عكرمة وابن عيينة وغيرهما عن النذير: الشيب. وفي الحديث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً ) (رواه البخاري) .
والأولى خاصة مع كبر السن قطع الأمل في الدنيا، والإكثار من ذكر الموت والاستعداد له بالإكثار من العمل الصالح وترك المعاصي والذنوب، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: خَطَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: ( هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ) (رواه البخاري) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ) يعني: الموت، (رواه الترمذي، وقال الألباني: حسن صحيح) .
لا تصاحب الغافلين:
وفي التحذير من مصاحبة الغافلين وطاعتهم فيما هم عليه من الغفلة، قال -تعالى-: ( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (الكهف: 28) .
وفي المقابل: جاء الأمر في القرآن الكريم بملازمة الصالحين الذاكرين، قال -تعالى-: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (الكهف: 28) .
ومما يعين على حضور القلب عند الذكر: دوام التفكر في معاني تلك الأذكار، واستحضار إطلاع الله -تعالى- على العبد ورؤيته له ونظره إليه وهو يذكره، ودوام اللجوء إلى الله -تعالى- في أن يحمي القلب، ويجعله حاضرًا عند ذكره -سبحانه-؛ فإن القلب بين إصبعين من أصابعه -سبحانه- يقلبها كيف يشاء.
توابع الغفلة:
