في زمن موت الفجأة... إياك والغفلة!
الشيخ علاء بكر • التزكية
الغفلة إذا طالت، والذنوب إذا استطالت، أوقعت العبد فيما هو أسوأ، بما تحدثه من تبعات سيئة على القلب، وبالتالي الجوارح، فالغفلة درجات، ولكل درجة منها تبعات، تبعد العبد عن الرب، وآخر مطافها الوقوع في الكفر، الذي هو أعظم الغفلة، فالكافر أشد الناس غفلة.
فمِن ذلك تعرض القلب إلى الغين أو الرين، أو الطبع عليه والختم والإقفال:
- ففي تعرض القلب للرين، قال -تعالى-: ( وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (المطففين: 12-14) .
قال ابن كثير في تفسيره: "قال الله -تعالى-: ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال الله -تعالى-: ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ). والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للمؤمنين، والغين للمقربين)".
قال الأصفهاني: "الرين: صدأ يعلو الشيء الجلي. قال -تعالى-: ( بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) أي: صار ذلك كصدأ على جلاء قلوبهم، فعمي عليه معرفة الخير من الشر".
وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ مِنْهَا صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ). ولفظ النسائي: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِت فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِل قَلْبُهُ، فَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَهُوَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللهُ: ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )"، قال الترمذي عن الحديث: "حسن صحيح"، والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع (1670).
- وفي تعرض القلب للختم عليه، قال الله -تعالى-: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) (الجاثية: 23) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (البقرة:6-7) .
والختم لغة: مِن ختم النحل ختمًا وختامًا، ملأ خليته عسلًا. وختم على الطعام والشراب: غطى فوهة وعائه، فهو مختوم. وختم على فمه: منعه الكلام. ويقال ختم على قلبه: جعله لا يفهم شيئًا. وختم الشيء: طبعه وأثر فيه بنقش الخاتم. والختم والطبع يقال على وجهين: الأول: تأثير الشيء كنقش الخاتم والطبع. والثاني: الأثر الحاصل عن النقش. وتجاوزًا يراد بالختم: الاستيثاق من الشيء والمنع منه، باعتبار ما يحصل من المنع بالختم على الشيء، كالختم على الأبواب والكتب.
- وفي تعرض القلب للطبع عليه قال الله -تعالى-: ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) (النساء: 155) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (التوبة: 93) ، وقال -تعالى-: ( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) (الأعراف: 100) ، وقال -تعالى-: ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) (يونس: 74) ، وقال الله -تعالى-: ( وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (??) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (الروم: 58-59) ، وقال -تعالى-: ( الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) (غافر: 35) ، وقال -تعالى- في شأن المنافقين: ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) (المنافقون: 2- 3) ، وقال الله -تعالى-: ( وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) (التوبة: 87) ، وقال -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) (النحل: 108) ، وقال -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) (محمد: 16) .
