الاستعداد لشهر رمضان
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
وفي الحديث:
- إن النبي -صلى الله عليه وسلم- بَشَّر أصحابَه بقدوم شهر رمضان، وحثهم على التهيؤ له من أول ليلة شهدوها فيه، وحفزهم ورغبهم في الإكثار من عمل الخير فيه.
- وفيه بيان فضل هذا الشهر المبارك، وفضل ليلة القدر التي هي من خصائصه.
- وفي الحديث جواز قول: (رمضان) بدلًا من (شهر رمضان)، خلافًا لمَن كرهه.
والأحاديث في فضل الصيام في رمضان -وفي غير رمضان- كثيرة، تؤكد على فضل هذه العبادة البدنية، وأن الصيام لا عدل له كما جاء في الحديث، ففي الحديث المرفوع: ( مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَاعَدَ اللهُ مِنْهُ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) (راه الترمذي، وقال الألباني: حسن صحيح) ، وورد في الحديث المرفوع أن الصيام يشفع للعبد يوم القيامة ( أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
ومما لا شك فيه: أن المسلم الحق يتغير تغيرًا كبيرًا في شهر رمضان، يتحول من البعد -إن وجد- إلى الإنابة، ومن الغفلة بمشاغل الدنيا -إن وجدت- إلى المداومة على الذِّكْر، فشهر رمضان فرض الله -تعالى- على العباد صيامه، ثم أجزل لهم العطاء العظيم على هذا الصيام، وشرع لهم فيه قيامه في جماعة في المسجد، وجعل من صلى القيام مع إمامه فيه حتى ينصرف من صلاته كلها احتسب له بذلك قيام الليلة، وذلك الشهر كله.
ووعد مَن صام وقام الشهر بمغفرة كل ذنوبه السابقة عبر ما مضى من عمره، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) .
وفي رمضان فوق ذلك: ليلة القدر، التي العبادة فيها خير -أي: تزيد لا تساوي- من العبادة في ألف شهر، وتحري قيامها فيه المغفرة لذنب العبد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، فخاب وخسر مَن فاته هذا الخير الوفير.
وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ) قال النووي -رحمه الله-: (معنى إيمانًا: تصديقًا بأنه حق، معتقدًا فضيلته. ومعنى احتسابًا: أن يريد الله -تعالى- وحده، لا يقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما ينافي الإخلاص).
وقد أخبر -تعالى- أن الغاية من صيام رمضان: تحقيق التقوى؛ قال -تعالى-: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ، فالغاية من الصيام تزكية القلوب لا إمساك الجوارح، وإمساك الجوارح هي وسيلة لتحقيق تلك التقوى؛ لذا فليكن هم العبد طوال رمضان إدراك ما من أجله شرع الصيام وفرض.
وهذا الثواب العظيم المتضاعف في رمضان يشترط له اجتناب الكبائر، كما جاء في الحديث عند مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ) (رواه مسلم) ، والحديث موافق لقوله -تعالى-: ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) ، بل إن من ذنوب العبد ما لا يكفرها إلا أداء هذه العبادات، ففي الحديث المتفق عليه: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (متفق عليه) .
وهذا يبيِّن خطر ارتكاب الكبائر من الذنوب، الفعلية منها: كالسرقة، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقولية منها: كالغيبة، والنميمة، والبهتان، وقذف المحصنات.
وفي هذا تنبيه عظيم على حاجة المسلم إلى التوبة الصادقة من كبائر الذنوب؛ إذ لا تكفر هذه الكبائر إلا بالتوبة منها، بخلاف الصغائر التي يكفرها الاستغفار، وتمحوها الحسنات والمداومة على العبادات المفروضة؛ لذا فينبغي المبادرة إلى الإنابة الحقة إلى الله -تعالى- قبل ومع دخول رمضان وخلاله، وإلا حُرِم العبد من ثواب رمضان العظيم؛ فإياك -أخي المسلم- وإياك مِن الغفلة في رمضان، وارتكاب الذنوب عامة، والكبائر خاصة.
وهذا الفضل العظيم لشهر رمضان وعظم الثواب فيه، يوجب على المسلم الاستعداد الجيد له وتهيئة النفس لاستقباله؛ فهو موسم للخير ينصب لمدة شهر، سريعًا ما ينقضي، يتاجر فيه العبد مع ربِّه تجارة رائجة، فيربح في سوق رمضان مَن ربح ويخسر فيه مَن خسر، والمسلم الحق أشد حرصًا على نيل ثواب الآخرة من حرص أصحاب الدنيا على تحصيل مكاسب الدنيا.
ونحن نرى مع دخول رمضان التجار والبائعين -بل والفاسدين والمفسدين- يستعدون غاية الاستعداد ويجتهدون غاية الاجتهاد لتحقيق أكبر ربح دنيوي ممكن في شهر رمضان، فالمسلم الحق ينبغي أن يكون أشد منهم حرصًا على الفوز بثواب رمضان الأخروي من حرص هؤلاء على ربحهم الدنيوي فيه، ومن كمال هذا الحرص: الاستعداد والتهيؤ لشهر رمضان من قبل دخوله ما استطاع.
وعجلت إليك ربي لترضى:
