شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الاستعداد لشهر رمضان

الشيخ علاء بكر • التزكية

من علامات الصلاح والحرص على رضا الله -تعالى- المبادرة إلى الخيرات والمنافسة على الأعمال الصالحة، ومن تمام ذلك الاستعداد للعمل قبل حضور أوانه ودخول زمانه، قال -تعالى- في حق أناس لم يعدوا للعمل عدته: ( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ ‌لَأَعَدُّوا ‌لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) (التوبة: 46) ، فعلامة الصدق في الحرص على الخير الاستعداد له والمسارعة في أدائه، ونقيض ذلك ترك الاستعداد للخير والتباطؤ في الدخول فيه وأدائه.

وقد كان من هدي سلفنا الصالح، وأئمة الهدى، وصالحي الأمة جيلًا بعد جيلٍ: الاستعداد لرمضان من قبل مجيئه ودخوله بأمورٍ، منها:

- إذا اقترب شهر رمضان أكثروا من الدعاء أن يبلغهم الله الشهر ويعينهم على الطاعة فيه.

- فإذا كان شهر رجب وشهر شعبان أكثروا من صيام التطوع فيهما؛ تدريبًا للأبدان والنفوس على الصيام وتعودًا عليه؛ يرون أن الإكثار من الصيام والعبادة في شهري: رجب وشعبان، هو زرع يجنون ثماره ويحصدون نتاجه في شهر رمضان، بالإقبال على العبادة بقوة من بداية الشهر، استغلالًا لكلِّ لحظة فيه في الطاعة بهمة عالية.

- فإذا ازداد اقتراب الشهر انشغلوا بدراسة ومراجعة أحكام الصيام الفقهية وتذكير أنفسهم والناس بها، والنظر في هديه -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان، وهدي أصحابه والسلف الصالح لشحذ الهمم استعدادا لهذا الشهر المبارك.

ومعلوم أن البدء في أي عمل يحتاج إلى فترة زمنية ما بين الهم به والبدء فيه، وبين الوصول إلى أعلى أداء له ممكن، وهذه الفترة تعرف علميًّا باسم: (الفترة الكامنة)، وهي تتفاوت من شخص إلى آخر، ومن عمل إلى آخر، لكن يترتَّب عليها استغراق بعض الوقت يطول أو يقصر من وقت بدء العمل إلى بلوغ أعلى أداء له، ولهذا نرى كل الرياضيين يحرصون كل الحرص على أداء بعض تمارين الإحماء قبل بدء المباريات وخوض المسابقات الرياضية بفترة زمنية مناسبة، طالت أو قصرت، فإذا بدأ اللاعبون المباراة أو المسابقة كانوا على أعلى درجات الاستعداد والعطاء من الوهلة الأولى فيها، وحققوا بذلك أفضل النتائج المطلوبة منهم، ولا شك أن حرص المسلم على اغتنام لحظات شهر رمضان كلها من أولها إلى آخرها أولى بذلك.

فكل طاعة من أول لحظة في رمضان إلى آخر لحظة فيه ثوابها كبير لا يليق التفريط فيها، بل قد تدرك العتق من النار الذي تتمناه -أخي الصائم- من أول ليلة في رمضان.

فيا مَن تفرِّط في أداء العبادات والطاعات على وجهها الأفضل في أول ليلة من رمضان: أما علمتَ أن لله -تعالى- عتقاء من النار في كل ليلة من ليالي رمضان؟!

وأول ليلة مِن رمضان من هذه الليالي، وفيها مِن الناس مَن لم تعلُ همته بعد؛ فهو في هذه الفترة الكامنة من العمل، فربما تفوته صلاتي: المغرب والعشاء في جماعة، أو تفوته صلاة الفجر في جماعة، وربما فاتته صلاة التراويح في هذه الليلة الأولى من الشهر وانشغل عنها، أو لم يتنبه إلى أنها داخلة في قيام الشهر، فيحرم نفسه مع بدء دخول الشهر من أجر قيام الشهر كاملًا؛ إذ ليس حاله كحال من صلى ليالي الشهر كاملة من أول ليلة فيه إلى آخر ليلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وربما كان غيره ممن بدأ الشهر من أول ليلة فيه بقوة من باب: ( ‌وَعَجِلْتُ ‌إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) (طه: 84) ، قد عتقت رقبته في هذه الليلة الأولى، والله ذو الفضل العظيم.

في رمضان لا تلتفت عن الطاعات:

لقد كان مِن هدي السلف الصالح ومَن بعدهم مِن الصالحين: الاجتهاد في العبادة والأعمال الصالحة طوال شهر رمضان، لا يدخرون في ذلك جهدًا يقدرون عليه، فكان لسان حال غالبهم ( ‌وَلَا ‌يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ) (الحجر: 65) ، ومنهم مَن كان لو قيل: إن يوم القيامة غدًا؛ فاجتهد في العبادة أكثر مما أنتَ فيه، لم يجد ما يزيده على ما هو عليه من العبادة والعمل الصالح شيئًا، فهؤلاء لسان حالهم: "لن يسبقني إلى الله أحدٌ".

ولا يكون كل ذلك -أخي المسلم- إلا باعتبار شهر صومك في العبادة والعمل الصالح كأنه أول شهر رمضان تشهده في حياتك فتقبل عليه بلهفة، وإلا باعتبار شهر صومك في الحرص على تحصيل الأجر والثواب وكأنه آخر رمضان في حياتك، فلا يفوتك من الخير فيه شيء ما استطعت، فرغم أنف عبد شهد رمضان ولم يغفر له.

الصيام والعتق من النار:

أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، والصوم هو: الامتناع عن المفطِّرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس مع النية، ولكن ينبغي التنبه هنا إلى أن تحقيق هذا التعريف للصيام لا يكفي وحده لنيل الأجر المرجو من الصيام إلا بإضافة درجتين أخريين معه، فللصيام درجات ثلاث مَن أتى بها جميعًا استكمل الصيام، ونال أجره كاملًا؛ وإلا فلا.

- فالحد الأدنى من الصيام: الامتناع عن المفطرات من دخول الفجر الصادق إلى غروب الشمس مع النية، فمن جاء به سقط عنه به فرض صيام ذلك اليوم، فلا يؤمر بقضائه بعد انتهاء شهر رمضان، ولكن هذا لا يكفيه لنيل أجر صيام اليوم حتى يضم إليه الدرجة الآتية، ألا وهي:

- الحد الأوسط من الصيام: وتكون بأداء الواجبات الشرعية اليومية المأمور بها، وترك المحرمات المنهي عنها، فلا يقع الصائم في المعاصي الصغيرة أو الكبيرة، فإن المخالفات الشرعية تنتقص من أجر الصيام، بل قد تضيع الكبائر أجر الصيام بالكلية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية