أهلًا شهر رمضان
الشيخ علاء بكر • التزكية
- وتجد في رمضان -وبوضوح ظاهر-: اعتناء المسلمين بقراءة القرآن الكريم وختمه عددًا من الختمات في رمضان، فلا تكاد تخلو يد مسلم من مصحف يقرأ فيه خلال ليله ونهاره، ولمَ لا وشهر رمضان شهر القرآن، وثواب قراءة القرآن فيه كبير، والنفوس قد تزكت بالطاعات ليل نهار، حيث امتنعت عن كثير من الذنوب والمعاصي وتجنبت الموبقات؛ فحري بها ألا تشبع من النهل من كتاب الله -تعالى-؟!
- وفي رمضان يكثر الجود والعطاء من سائر المسلمين، كل على قدر طاقته، اقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان أجود الناس وأجود ما يكون في شهر رمضان، فيخرج الناس أموال الزكاة والصدقات، ويقدمون المساعدات المالية للفقراء واليتامى والمحتاجين، ويتنافسون في سعادة وعن طيب نفس حتى أن الفقراء والمساكين يسعدون بقدوم شهر رمضان لكثرة الخير فيه فيجدون طوال الشهر كفايتهم وما يحتاجون إليه.
- وفي الثلث الأخير من شهر رمضان، تجد الكثير من المساجد قد قدم عليها المعتكفون؛ للانقطاع للعبادة والذكر فيها في تلك الأيام الفاضلة؛ اقتداءً بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-.
- وفي رمضان يحرص الكثيرون على أداء العمرة؛ فترى مئات الألوف من شتى بقاع الأرض يذهبون للعمرة، والصلاة في الحرمين الشريفين والاعتكاف في أحدهما، لما ثبت في الحديث أن عمرة في رمضان تعدل في الأجر والثواب أجر حجة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما في الصلاة في الحرمين من الأجر المضاعف.
فهذه بعض مظاهر اهتمام المسلمين في كل بقاع الأرض فرادى وجماعات بشهر رمضان، والتي تجعل من صيامه وقيامه والتعبد فيه متعة لا مشقة فيها، ويكون المجتمع المسلم كله فيها خلية نحل ممتلئة بالنشاط والحركة الدائمة التي لا تنقطع ليل نهار في طاعة الله -تعالى-؛ لذا كان المسلمون حقًّا الأحق بشهر رمضان وأجره، وهم أهله وخاصته -ولله الحمد والمنة-.
حاجتنا إلى شهر رمضان:
إن الله -تعالى- قد خلق الإنسان من طبيعة مزدوجة، فيه عنصر طيني مادي وفيه عنصر روحي، إذ خلق آدم عليه السلام أبو البشر من طين الأرض ونفخ فيه من روح الله -تعالى-، فالإنسان بين عالمين: عالم المادة وعالم الروح، يتعامل مع الأرض، وله تعلق وتواصل بالسماء، يحتاج في معاشه إلى ما يخرج من الأرض ليأكل ويشرب ويلبس، ويحتاج في صلاحه إلى العمل بالوحي المنزل من السماء ليسعد؛ ولهذا زُوِّد بالغرائز التي تربطه وتدفعه إلى عمارة الأرض، وزود بالإيمان والملكات الروحية التي تزكو به إلى أعلى عليين، ولو أطلق الإنسان العنان لغرائزه وشهواته وانساق لها ولم يضبطها -لا نقول يكبتها ويعاندها، بل يضبطها- بالوحي والإيمان صار كالأنعام، بل أضل! وإن أخذ العبد من الدنيا ما يقيم حياته ويسعدها بما أباح الله له فيها بغير إسراف ولا مخيلة، وكبح جماح نفسه بضوابط الشرع، وُفِّق قطعًا إلى سعادة الدنيا والآخرة، قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت: 69) .
فخلق الإنسان من مادة وروح جعله بين وظيفتين: عبادة الله -تعالى-، والالتزام بطاعته، يطهِّر بذلك نفسه، وتسمو بها منزلته عند الله -تعالى- في أعلى عليين، وعمارة الأرض التي سخرها الله -تعالى- له واستخلفه فيها ليستعمرها ويصلحها وينتفع ويستفيد من كنوزها وخيراتها التي وضعت في الأرض لأجله، وما بين الوظيفتين تتقلب حياة الإنسان، وعليه دائمًا أن يوازن بينهما، لكل قدره المستحق.
وجاء شرع الله -تعالى- بما يحقق هذا التوازن ويضبطه، ويعين الإنسان على ذلك ويحققه:
فالإنسان لا يحتاج إلى مَن يذكره بالكسب والعمل والسعي في طلب الرزق؛ فهو مدفوع إلى ذلك دفعًا، لينفق على نفسه ولو بضرورات الحياة لنفسه وزوجه وأولاده، وقد أودع الله فيه من المواهب والقدرات ما ييسر له ذلك؛ كل حسب طاقته وإمكانياته، فلا أحد محروم من أن يجني من دنياه ما تستقيم به حياته بما لا مشقة فيه فوق طاقته واحتماله.
والإنسان قد أوجب الله عليه من العبادات اليومية (الصلوات الخمس في اليوم والليلة) والأسبوعية (صلاة الجمعة)، وشرع له من نوافل العبادات الأخرى البدنية والقولية والمالية التي يؤدي منها ما يؤديه بحسب ما عنده من الإيمان والهمة، ولا تخلو حياة المسلم الحق منها، فيحقق بها وظيفة العبودية المطلوبة.
فالعبادات اليومية من الفرائض والنوافل المطلوبة شرعًا رحمة من الله -تعالى- بعباده من جهتين:
الأولى: إنها تحقق التوازن المطلوب بين عبادة الله -تعالى- وتعمير الأرض؛ فالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.
الثانية: إنها لا مشقة في الإتيان بها في كل يوم وليلة مع الكسب والسعي اليومي، فلها حد أدنى وهو الفرائض التي لا يجد المسلم صعوبة في المواظبة عليها، ولا تتعارض مع السعي والكسب، وهذا مشاهد معلوم من أحوال العباد، لا ينكره إلا مكابر، ولها أحوال أعلى وأعلى وهي النوافل التي يرتقي بها إلى الدرجات العلى مَن أراد مِن أصحاب الإيمان العالي والهمم العالية، وفوق ذلك فقد جعل الله شهر رمضان كل عام ليتزود فيه المسلم زادًا سنويًّا، يزيل به عن نفسه -بما في شهر رمضان من مزيد فرائض ونوافل- ما تعلقت به نفس المسلم من حظوظ الدنيا الزائدة عن الحد المقبول، أو قصَّر فيه عبر شهور العام الطويلة بارتكاب كثير خطايا وذنوب، فيضمن المرء بشهر رمضان -إن اعتنى به حق الاعتناء- تحقيق التوازن المطلوب من جديد عبر سنوات حياته الطويلة على الأرض، فصيام وقيام رمضان إلى رمضان مكفر لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، بل ولله -تعالى- في ليالي رمضان عتقاء من النار، ليس بينهم وبين دخول الجنة إلا أن يموتوا. الله نسأل أن يجعلنا منهم برحمته الواسعة وفضله العظيم.
حقًّا إن شهر رمضان بما فيه من مزيد طاعة مكثفة يحتاج إليه العبد من وقت إلى آخر على الأقل مرة في كل عام؛ إنها منحة ونعمة من الله -تعالى-، تستدعي شكر الله -تعالى- عليها بالقلب واللسان إلى جانب عمل الجوارح والأبدان.
سنة مهجورة:
الدعاء عند رؤية هلال الشهر:
