أهلًا شهر رمضان
الشيخ علاء بكر • التزكية
من السنن التي هجرها الناس -جهلا بها أو تغافلا عنها وتهاونا- الدعاء الوارد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند رؤية الهلال في أول كل شهر هجري، سواء كان هلال شهر رمضان أو غيره من الشهور، وإن كان هذا الدعاء في رمضان أوكد لعظم أجر العمل الصالح فيه، وهذا الدعاء والذكر فيه إظهار للعبودية والتوجه بالقلب واللسان إلى الله -تعالى- وحده، مع التبرؤ من المعتقدات والخرافات والأباطيل المتعلقة بالتنجيم والكهانة وادعاء الغيب ونحوها؛ روى الدارمي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى الهلال قال: ( اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ )، وبنحوه رواه الترمذي والطبراني في الكبير، قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: "رواه الطبراني وإسناده حسن، وحسَّنه الزين العراقي في تخريج الإحياء، ورواه الحاكم، والحديث حسنه الألباني في ظلال الجنة (1/ 172)، وفي صحيح الترمذي (3/ 157).
والمراد بالهلال القمر في أول ليلتين أو ثلاث من الشهر الهجري، وسمي بالهلال من الإهلال وهو رفع الصوت، نقل منه إلى رؤية الهلال؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم إذا رأوه للإخبار عنه ليعلم الجميع بدخول الشهر.
وقد بدأ الدعاء بالتكبير: ( اللَّهُ أَكْبَرُ )؛ لما فيه من الإقرار ببديع صنع الله -تعالى-؛ إذ الهلال آية من آيات الله تعالى الدالة على كونه مدبر للملكوت ومسير للأفلاك، وفيه مشروعية التكبير عند شهود الآيات العظام ليمتلئ القلب تعظيما لله -تعالى- وإكبارًا له.
وختم الدعاء بقوله -والخطاب للهلال الذي استهل-: ( رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ )؛ إقرارًا بأن الله -تعالى- وحده الخالق، وتنزيهه عن أن يشاركه غيره من المخلوقات في تدبير الكون.
وهذا فيه التبرؤ من الأقاويل الضالة والدعاوى الباطلة في أن للأفلاك في العالم العلوي أي تأثير على الأحداث والوقائع في العالم الأرضي، وهو ما كان -وما زال- عليه عُبَّاد الكواكب والنجوم ممَّن يعتقدون أن للأفلاك تأثيرات على الأحداث على الأرض، وهو ما يعرف عندهم بعلم التأثير (العلم الروحاني)، أو التنجيم، والذي ما زال يرتبط به الكثيرون شرقًا وغربًا على ما فيه من الدجل والخرافات! فيدعون الاستدلال بحركات الكواكب والنجوم وسيرها على الحوادث الأرضية؛ سواء كانت عامة أو خاصة، وهذا من الشرك الأكبر إن اعتقد أن هذه النجوم هي المدبرة للأمور أو مشتركة في تدبيره، وإن اعتقد أنها سبب فقط فهو أيضًا من الكفر، لكنه كفر غير مخرج من الملة، ولكن يسمى كفرًا لدخوله في قوله -صلى الله عليه وسلم- على أثر سماء كانت من الليل: ( هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ( قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ) (متفق عليه) .
وقد بيَّن القرآن الكريم هذه القضية بيانًا واضحًا في قصة محاجة إبراهيم -عليه السلام- لقومه الذين كانوا يعبدون الكواكب ويعتقدون فيها؛ قال الله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام: 75-79) .
وطبق النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك تطبيقًا عمليًّا شافيًا لمَّا كسفت الشمس في عهده ووافق ذلك وفاة ابنه إبراهيم -عليه السلام-، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ) (متفق عليه) .
أما علم التسيير (علم الفلك) المبني على دراسة ومتابعة نظام ومدارات الأفلاك والاستفادة منها في معرفة الأوقات والجهات: كالقبلة، والجنوب والشمال، وحساب الفصول والأزمان؛ فهو علم مشروع، مبني على دراسة نظام الله -تعالى- الدقيق في الكون والاستفادة منه، ومنه: تتبع الأهلة ودراستها؛ قال -تعالى-: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) (البقرة: 189) .
