أهلًا شهر رمضان
الشيخ علاء بكر • التزكية
فمِن تتبع الأهلة عُرِفت بدايات الشهور الهجرية، وعليها يكون دخول رمضان وانتهائه، ويعرف بها أشهر ومواسم الحج، وتعتد به النساء، ومن معرفة منازل الشمس تعرف أوقات الصلاة وجهات القبلة، ومن تتبع النجوم ليلًا يهتدي السائرون في ظلمات البر والبحر، ومن دراسة مدارات وحركات الأفلاك البعيدة بأدوات الرصد الحديثة، وهي أفلاك تخضع لنظام غاية في الدقة والإتقان وضعه الله -تعالى- لها ويمكن للإنسان بدراستها وتتبعها معرفة كثير من العلم النافع، ويفسر بها العديد من الظواهر الطبيعية حوله، ويتعرف على فصول السنة وأوقات البذر والغرس والحصاد، وما أشبه ذلك، قال -تعالى-: ( وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (النحل: 16) ، وقال -تعالى-: ( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ) (الرحمن: 5) ، وقال -تعالى-: ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) (يس: 40) ، وقال -تعالى-: ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) (يس: 39). والعرجون القديم: عذقة النخل إذا قدم وصغر حجمه وانحنى. فالمؤمن يستفيد من علم التسيير النافع، ويرفض علم التأثير الباطل، وهذا الذِّكْر النبوي يبيِّن هذا المعنى، ويبرزه بوضوح.
وما بين الإقرار بالتوحيد في أول الذِّكْر: ( اللَّهُ أَكْبَرُ )، وآخره: ( رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ ) يكون التوجُّه بالدعاء والطلب من الله -تعالى- وحده، الذي تعلقت به القلوب دون غيره، بما فيه خير الدنيا وخير الآخرة: ( اللَّهُمَّ ): نداء، أي يا الله، ( أَهِلَّهُ عَلَيْنَا ) أي: أطلعه علينا وأرنا إياه. ( بِالْأَمْنِ ) أي: مقترنًا بالأمن من المخاوف الدينية والدنيوية؛ فبيده وحده الأمن منها كلها، كما قال -تعالى-: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) (قريش: 3-4) .
وقوله: ( وَالْإِيمَانِ ) أي: ووفِّقنا في هذا الشهر للإيمان القولي والفعلي، واجعلنا صادقين فيه. ( وَالسَّلَامَةِ ) أي: ووفقنا لسلامة الدِّين والدنيا. ( وَالْإِسْلَامِ ): واجعلنا مستسلمين لك. ( وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى ): من الأعمال الصالحات.
وينبغي استقبال القبلة عند الدعاء بهذا الدعاء لا استقبال الهلال، لما تقرر في الشرع أنه لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة، قال الألباني -رحمه الله- في تعليقه على كتاب: (الكلم الطيب برقم 162): (ولذلك كان علي -رضي الله عنه- لا يرفع رأسه عند قوله هذا الدعاء، وكذلك ابن عباس -رضي الله عنهما- ما كره الانتصاب للهلال). ومعنى انتصب: ارتفع، ففي المعجم الوجيز: (انتصب): ارتفع. يقال: نصبه فانتصب، وانتصب للحكم: قام له وتهيأ).
فائدة: قد يقال ورد الحديث بالتعوذ بالله -تعالى- عند طلوع القمر؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيدي، فإذا القمر حين طلع، فقال: ( تَعَوَّذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ ) (رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في الفتح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم: 372) ، فهل بين ما ذكر وبين هذا الحديث تعارض؟
فالجواب: المراد بالغسق: الظلمة، والوقوب الدخول في هذه الظلمة ونحوها. والمراد هنا دخول الليل بظلمته، والقمر آية الليل ودليل عليه، فالمراد ظلمة الليل.
قال شيخنا محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله-: (فلعل سبب الاستعاذة منه في حال وقوبه؛ لأن أهل الفساد ينتشرون في الظلمة، ويتمكنون فيها أكثر مما يتمكنون منه في حال الضياء، فيقدمون على العظائم وانتهاك المحارم، فأضاف فعلهم في ذلك الحال إلى القمر؛ لأنهم يتمكنون منه بسببه، وهو من باب تسمية الشيء باسم ما هو من سببه، أو ملازم له. أفاده الحافظ أبو بكر الخطيب) (راجع: النصيحة في الأذكار والأدعية الصحيحة، لشيخنا محمد بن إسماعيل المقدم - ط. دار طيبة - ط. الثانية 1406 هـ - 1986م، هامش ص 53) .
