أهلًا شهر رمضان
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا شك أن شهر رمضان شهر معظم في السماء والأرض، اصطفاه الله -تعالى- بما ليس لغيره، ففي كل رمضان تفتح أبواب الجنان في السماء، وتغلق أبواب النيران، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ) (متفق عليه) .
واصطفى الله -تعالى- شهر رمضان ببدء نزول القرآن الكريم -آخر الكتب السماوية- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، آخر الأنبياء والمرسلين- قال -تعالى-: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (البقرة:185) ، وفرض الله -تعالى- على عباده صيامه دون غيره، وجعل ثواب صيامه -دون غيره- مغفرة كل الذنوب، ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، ورغب في قيام ليله، وجعل ثواب قيامه -دون غيره- مغفرة كل الذنوب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرغب في قيام رمضان مِن غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) .
وخص الله -تعالى- رمضان بليلة هي خير مِن ألف شهر، وهي ليلة القدر، قال -تعالى-: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (القدر) ، وقال -تعالى-: ( حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (الدخان:1-5) ، ولشرفها فمَن أدركها وقام ليلتها غفرت له كل ذنوبه، ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) .
وقد هدى الله -عز وجل- أمة الإسلام إلى تعظيم شهر رمضان والاعتناء به، والحرص على اغتنامه، والإكثار مِن الطاعات والقربات المتنوعة فيه، فترى المسلمين فيه يقبلون على كل الطاعات بما لا يكون في غيره. فالمسلمون وحدهم -دون غيرهم- يعتنون بهذا الشهر غاية الاعتناء، يفرحون بقدومه، ويهنئ بعضهم بعضًا بشهوده، ويعدون له العدة مِن قبْل مجيئه، على المستوى الفردي والجماعي.
إن مَن يتابع أي مجتمعٍ مِن المجتمعات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها لا يجد صعوبة في ملاحظة احتفاء المسلمين بقدوم شهر رمضان، وتغير أحوالهم وتبدلها بالدخول فيه، فكما اصطفى الله -تعالى- المسلمين وهداهم -مِن دون الأمم- إلى تعظيم يوم الجمعة مِن كل أسبوع، فقد اصطفاهم وهداهم -مِن دون الأمم- إلى تعظيم شهر رمضان مِن كل عام، وهذا مِن خصائص هذه الأمة التي حرم منها غيرهم، ولله الحمد والمنة على عظيم فضله علينا -نحن المسلمين-.
ومن المظاهر الدنيوية المعتادة لاحتفاء المسلمين برمضان مع قرب أو بداية دخوله:
- تزيين الشوارع والطرقات بصفوف من أوراق الزينة الملونة، تتوسطها فوانيس مختلفة الأحجام والأشكال التي تضاء ليلًا، ومجسمات للكعبة المشرفة، وترى الناس يزينون بيوتهم بـأنواع من الزينات المتنوعة، وتراهم يهنئ بعضهم بعضًا فرحين بشهود الشهر؛ شهر العبادات والطاعات والثواب الجزيل.
- ترى المساجد كبيرها وصغيرها قد تزينت أبوابها ومداخلها ومخارجها بأنواع الزينات، وكست جدرانها الملصقات الدينية، وقد تم تجهيزها لاستقبال المصلين من تجديد فرش وتنظيف، ومن تقوية الإضاءة والتهوية، وتوفير بدائل تستخدم حال انقطاع الكهرباء لعطل طارئ، وتوفير مبردات الماء، وإعداد الأدوات اللازمة لتقديم المشروبات المتاحة والتمور لرواد المسجد عند الإفطار عقب أذان المغرب، وقبل الدخول في صلاة الفرض، وكلها أعمال تذكر الناس وتحثهم على الإكثار من الطاعات والجود والإنفاق، وبذل الصدقات والإحسان إلى المحتاجين.
- وتجد السرادقات المعدة لتكون فيها (موائد الرحمن) طوال الشهر متناثرة هنا وهناك، لا يخلو منها حي أو قرية؛ يتنافس فيها المقتدرون على تقديم الوجبات الطازجة الساخنة المتكاملة فيها عند وقت الإفطار لمن شاء من الصائمين بلا أي مقابل؛ طلبًا لثواب إطعام الصائمين، بينما تجد آخرين يقدمون التمر والمشروبات والمرطبات لكل من في الشوارع والطرق لكل السائرين عقب أذان المغرب.
- وتجد المطاعم والمقاهي والمحلات التي تقدم المأكولات والمشروبات مغلقة طوال النهار مراعاة لحرمة شهر رمضان، بينما تفنن بائعون آخرون في أنواع من الأطعمة والمشروبات التي لا ينتشر بيعها إلا في رمضان، حتى صارت شعارًا دنيويًّا له يعرف قدومه بها: كالكنافة، والقطائف، وقمر الدين، وغيرها.
وفي باب العبادة:
- تجد الجميع -الصغار قبل الكبار- إلا مَن شَذَّ، حريصًا كل الحرص على حضور صلاة التراويح في جماعة في أول الليل، والتهجد في آخره، وشهود الصلوات المفروضة جماعة في المساجد، والاستماع إلى ما يعقد فيها من الدروس والمواعظ عقب تلك الصلوات أو في أوقات انتظار إقامتها، أو في أوقات الراحة بين ركعات صلاة التراويح، والتي يحرص القائمون على المساجد في كل مكان على وضع البرامج الجيدة لها؛ استثمارًا لإقبال المصلين على المساجد واكتظاظ المساجد بهم، وإشباعًا لرغبتهم المتقدة في معرفة دينهم والعمل به، إلى جانب إقامة المسابقات الدينية، ومسابقات حفظ القرآن الكريم وتفسيره.
