شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (110) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (14)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( ‌وَإِذْ ‌قَالَ ‌إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) (الأنعام: 74-83) .

قوله -تعالى-: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) فيه فوائد:

الفائدة الثالثة:

هذه الآية الكريمة تهدم هدمًا كاملًا كليًّا، ما اخترعه كفارُ زماننا وزنادقتهم ممَّا سموه زورًا وبهتانًا: "الدِّين الإبراهيمي الجديد!"، القائم على مساواة الملل، وإن بدأوا بالأديان الثلاثة: -اليهودية والنصرانية والإسلام-، لكنهم يقررون مساواة جميع الملل ويصوبونها كلها، وهي بدعة كفرية شركية اخترعها الأوروبيون منذ الثورة الفرنسية، واستغلها اليهود وروَّجوا لها؛ لهدم جميع الأديان ليبقى لهم دينهم في ظنهم، وهم لا يتأثرون بهذه الدعوات -بتوحيد الأديان والملل-؛ لأنهم لا يقبلون غير دينهم الذي يتعصبون له.

وهذه الدعوة الخبيثة المنكرة التي يروَّج لها بمصطلحاتٍ مختلفةٍ: "كالعائلة الإبراهيمية" التي يظنون أنها تخدع المسلمين، والتي لا يشك مسلم في بطلانها؛ لأن الأخوة الإيمانية لا تثبت إلا لأهل الإسلام، كما قال الله -تعالى-: ( ‌إِنَّمَا ‌الْمُؤْمِنُونَ ‌إِخْوَةٌ ) (الحجرات: 10) .

وأما أخوة النَّسَب إن ثبتتْ؛ فهي لا تجتمع مع المحبة مع وجود الكفر؛ لقول الله -تعالى-: ( ‌لَا ‌تَجِدُ ‌قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (المجادلة: 22) .

ولا شك أن بناء ما يُسمَّى بـ"العائلة الإبراهيمية" في زماننا مِن: مسجدٍ، وكنيسة، وكنيس يهودي -لترسيخ هذه المبادئ الضالة المنحرفة التي تسعى لمساواة الملل- لا بد من رفضه وإبائه؛ خاصة أن بقية المخطط يهدفُ إلى إزالة الدول المعاصرة، وتكوين ما يُعرَف: بالشرق الأوسط الجديد، وتكوين الولايات المتحدة الإبراهيمية التي ستكون مبدئيًّا في ظنهم -نسأل الله أن يُخَيَّب ظنهم- اتحادًا كونفدراليًّا بين دول المنطقة، ينتهي إلى اتحادٍ فيدرالي -كما يظنون!-.

وهذا كما أن فيه هدم فكرة دين الإسلام؛ ففيه هدم فكرة الدولة القومية المعاصرة التي يمكن أن تجتمع مع الدِّين، أما مع اعتقاد أن مساواة الأديان واتحاد هذه دول مع العداوة التاريخية المبنية على العقيدة -في الحقيقة-؛ فإن هذا فيه طمس للهوية بالكلية، ولا يمكن لعاقلٍ أن يبيع دينه ودنياه لأجل إرضاء اليهود.

لذلك نقول: لا بد مِن الحذر التام مِن هذه الأفكار الخبيثة، وإنما يبحثون في تراث مَن ينتسِبون الى الإسلام، ممَّن يقول بوحدة الأديان؛ لأجل أن يروِّجوا هذه الفكرة، وهؤلاء هم الصوفية الغلافة الفلاسفة، أصحاب وحدة الوجود الذين يصوِّبون جميع الملل!

كما حكى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن شيخٍ مقدَّم في زمنهم، جاءه مَن يريد أن يسلك على يديه ويكون مريدًا؛ قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعضُ أكابر الشيوخ عند الناس -ممَّن يقصده الملوك والقضاة، والعلماء والعامة-، على طريقة ابن سبعين؛ قيل عنه أنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبندر الذي للمشركين بالهند! وهذا لأنه كان يعتقد أن دينَ ‌اليهود ودين النصارى حق!

وجاء بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته، فقال له: أريد أن أسلك على يديك، فقال: على دين ‌اليهود والنصارى أو المسلمين؟ فقال له: ‌اليهود والنصارى ليسوا كفارًا؟! قال: لا تُشَدِّد عليهم، لكن دين الإسلام أفضل!" (الاستغاثة في الرد على البكري، ص 306) .

وقال الذهبي -رحمه الله-: "قال شيخُنَا عماد الدين الواسطي، وكان مِن أكبر المُحطِّين عليه لِمَا رأى منه -أي: على ابن هود؛ الذي كان يقول بوحدة الوجود، والعياذ بالله-: أتيتُه وقلتُ له: أريد أن تُسلِّكَني. فقال لي: مِن أي الطُرق تريدُ أن تسلُك: من المُوسوية أو العيسوية أو المحمدية؟! أي: أنَّ كُلَّ الملل توصل إلى الله!" (تاريخ الإسلام، 15/ 905) .

الصفحة التالية