شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة فتح مكة

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

كان من بنود صلح الحديبية الذي عقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش بندٌ يفيد أن من أراد أن يدخل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من القبائل دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش منهم دخل فيه، وأن كل قبيلة تنضم إلى أي من الفريقين تعتبر جزءا منه، لا يعتدى عليها، فأي عدوان تتعرض له قبيلة من تلك القبائل يعد عدوانا على الفريق الذي تنتمي إليه.

وعليه دخلت قبيلة خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخلت قبيلة بني بكر في عهد قريش، فصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخرى، وقد كانت بين القبيلتين – خزاعة وبني بكر– عداوة في الجاهلية، فلما جاء صلح الحديبية فكانت الهدنة بمقتضاه وأمن كل فريق الآخر، انتهز رجال من بني بكر الهدنة للإصابة من خزاعة الثأر القديم، فأغاروا في شعبان من السنة الثامنة للهجرة على خزاعة ليلا، فأصابوا منهم رجالا، واقتتلوا بالسلاح حتى حاز رجال خزاعة إلى الحرم، فواصل المعتدون عدوانهم عليهم في الحرم، وقد أعان رجال من قريش بني بكر بالسلاح مستغلين ظلمة الليل. أسرع عمرو بن سالم الخزاعي فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأخبره بما كان، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: نصرت يا عمرو بن سالم، ثم قدم بعد ذلك نفر من خزاعة فيهم بديل بن ورقاء فأخبروا النبي بما أصابهم وبمظاهرة قريش لبني بكر عليهم. وسرعان ما أحست قريش بما وقع منها وشعرت بعواقبه فبعثت أبا سفيان بن حرب إلى المدينة لشد العقد وزيادة مدته، ولكن أبو سفيان عاد بغير رد.

أعطى نقض قريش وحلفائها من بني بكر لمعاهدة الحديبية الحق للمسلمين في قتال قريش من جديد، بل وغزو مكة نفسها إن أرادوا، خاصة بعد أن قضى المسلمون خلال فترة هدنة الصلح على اليهود عسكريا في المدينة وخارجها، وبعد سيطرة المسلمين على القبائل العربية في شمال المدينة وانتشار الإسلام بين القبائل، فأصبح للمسلمين في الجزيرة العربية قوة لا تدانيها قوة، ولم يبق أمام المسلمين طريق لتدين بلاد العرب لهم إلا فتح مكة، لذا غزا النبي صلى الله عليه وسلم مكة بجيش كبير ففتحها فتحا مبينا.

وقد تجلت في فتح مكة صور عديدة من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وحسن قيادته، إذ كان همه الأكبر أن يفتح مكة بأقل قدر من القتال، وأن يرغم قريش على التسليم والخضوع - رغم عداوتها التاريخية للمسلمين- بأقل قدر من إراقة الدماء، ونجح في تحقيق ما أراد بدرجة كبيرة.

ونحاول هنا أن نبين بعضا من الإجراءات التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم وشيئا من المواقف والأحداث التي وقعت في هذه الغزوة عظيمة الشأن والأثر الدالة على الحكمة العالية للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن القيادة والتدبير للأمور، فمن ذلك:

- مباغتة قريش:

حرص النبي صلى الله عليه وسلم على مباغتة قريش في دارها لئلا تتهيأ لقتال المسلمين، لذا تكتم النبي أمر الخروج إلى قريش حتى عن أقرب الناس إليه، فأمر أصحابه وقبائل المسلمين خارج المدينة بالاستعداد للتحرك للقتال دون أن يخبر أحدا بنواياه الحقيقية ولا اتجاه حركته، بل أرسل في الأول من شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة سرية قوامها ثمانية رجال تحت قيادة أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى وجهة أخرى، إلى بطن أضم فيما بين ذي خشب وذي المروة على ثلاث برد من المدينة، ليزيد من التمويه بأن يظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم سيتوجه إلى تلك الناحية وتنتشر الأخبار بذلك. وبهذا أخر الإخبار بنيته فلم يخبر بذلك إلا بعد استكمال الاستعداد وبعد الخروج من المدينة وبدء السير إلى مكة. وقد بث النبي صلى الله عليه وسلم عيونه داخل المدينة وخارجها ليحول بين وصول أنباء التحرك بقواته إلى قريش. ومن ذلك أنه منع رسالة من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة تخبرهم بنية المسلمين غزو مكة، وذلك أن حاطبا كتب كتابا يخبر أهل مكة بسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وأعطاه لامرأة جعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب بعث من جاء بهذا الكتاب من المرأة قبل وصوله إلى قريش، وقد اعتذر حاطب عن صنيعه هذا بأن له في قريش أهلا وولدا وليس له فيهم قرابة يحمونهم، فأراد أن يتخذ عندهم يدا يحمون به قرابته. فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه لكونه كان ممن شهد بدرا، وقال صلى الله عليه وسلم: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). وهكذا أخذ الله تعالى العيون فلم تعلم قريش بخروج المسلمين ومسيرهم إليها.

ولا شك أنه لو انكشفت نوايا المسلمين لقريش في وقت مبكر لنظمت قريش قواتها وحشدت حلفائها واستطاعت مقاومة النبي صلى الله عليه وسلم أطول فترة ممكنة ولوقعت خسائر كبيرة في الأرواح بين الطرفين، وهذا ما نجح النبي صلى الله عليه وسلم في تجنبه بحكمته ويقظته وحسن إدارته للأمور.

- حشد جيش كبير:

ولعشر خلون من شهر رمضان غادر النبي صلى الله عليه وسلم المدينة متجها إلى مكة، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري. وقد بلغت جموع المسلمين من المدينة وخارجها عشرة آلاف رجل، في عدد وعدة لم تعرفها الجزيرة العربية من قبل، إذ لم يتخلف عن الخروج إلا أصحاب الأعذار الصعبة، وهذا الجيش الكبير لا قبل لقريش وحدها على مواجهته، خاصة إن لم تكن قد استعدت له من قبل، ورغم ضخامة الجيش فقد بقيت حركة الجيش بحسن ترتيب الأمور سرا مكتوما عن قريش، فلم تعلم قريش مسبقا بتحرك جيش المسلمين ونواياه، وهذا ليس بالأمر السهل أبدا خاصة مع توقع أهل مكة احتمالية الهجوم عليهم لكن دون معرفة متى وأين يمكن أن يقع ذلك.

الصفحة التالية