شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة فتح مكة

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

واصل النبي صلى الله عليه وسلم سيره وهو صائم، والناس معه صيام، حتى بلغ الكديد – وهو ماء بين عسفان وقديد – فأفطر وأفطر الناس معه. ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران على مسافة أربعة فراسخ من مكة فعسكر بجيشه هناك، وكان الوقت مساء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يوقد كل مسلم في الجيش نارا حتى ترى قريش ضخامة الجيش دون أن تعرف هويته، فيؤثر ذلك على معنوياتها، ويؤثر على روح المقاومة لديها فتستسلم دون قتال أو إراقة دماء، فأوقدت بالفعل عشرة آلاف نار. وخرج أبو سفيان بن حرب باتجاه تلك النيران التي تملأ الأفق البعيد يستطلع الأمر ويتحسس الأخبار، فقابله العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأجاره، فاحتجزه النبي صلى الله عليه وسلم لدى جيش المسلمين طوال تلك الليلة ليرى ضخامة الجيش الزاحف. ومع تحرك الجيش تجاه مكة صباحا اتجه أبو سفيان مبهورا مذعورا إلى مكة بعد أن أعلن إسلامه يحذر أهلها من مغبة التصدي لجيش المسلمين، وعدم جدوى المقاومة، فتفرق أكثر أهل مكة ينتظرون دخول المسلمين مكة، ولم يبق إلا قلة من رجالها شديدي العداوة للمسلمين مصرين على القتال.

نزع الحمية من النفوس:

لما غادر النبي صلى الله عليه وسلم مر الظهران إلى مكة وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر سعد بأبي سفيان وقد احتجز بمضيق الوادي وجنود المسلمين تمر أمامه تجاه مكة، ولكل قبيلة رايتها، قال سعد لأبي سفيان وقد أخذته الحمية: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الصحابة: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشا)، ثم أرسل إلى سعد فأخذ منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس، وقد رأى أن اللواء لم يخرج بذلك عن سعد.

خطة محكمة لدخول مكة:

لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بمباغتة قريش بهذا الجيش الضخم وبالتأثير على معنويات أهلها، ولكنه ببعد نظره أدخل أسوأ الاحتمالات أيضا في حسبانه، وهو أن تقاوم قريش جيشه ولو مقاومة ضعيفة، لذا عمد إلى تطويق مكة من كل الجهات لإضعاف دفاع المشركين عن مكة، فأمر بدخول جيشه مكة من عدة جهات في وقت واحد، لتفريق جهود المقاومة من قريش إن وجدت، فتفشل أي مقاومة لقريش في التصدي للمسلمين في كل هذه الجهات معا في وقت واحد، فدخلت ميسرة الجيش بقيادة الزبير بن العوام رضي الله عنه مكة من أعلاها – من كداء- ومعه راية النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمر أن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح مكانه حتي يأتيه باقي الجيش. ودخلت ميمنة الجيش بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه مكة من أسفلها، وفيهم قبائل عديدة من العرب منهم أسلم وسليم وغفار ومزينة، وأمروا بموافاة الجيش عند الصفا. ودخلت قوات الأنصار بقيادة سعد بن عبادة رضي الله عنه مكة من غربها، بينما دخلت قوات المهاجرين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه مكة من شمالها الغربي من بطن الوادي في اتجاه جبل هند. وكانت أوامر النبي صلى الله عليه وسلم لقائدي القوات بألا يقاتلوا إلا إذا اضطروا إلى القتال اضطرارا، حتى يتم فتح مكة بدون قتال، على أن تجتمع كل تلك القوات بعد فتح مكة في منطقة جبل هند. وهكذا تحول فتح مكة إلى معركة معنويات لا معركة ميدان.

وفي ظل تلك الخطة الرشيدة والتدابير المحكمة اقتنعت قريش باستحالة المقاومة، فدخلت قوات المسلمين مكة دون مقاومة تذكر، إلا في جهة خالد بن الوليد رضي الله عنه، فقد تجمعت قوة من شباب قريش شديدة العداوة للمسلمين وقد ساءهم أن تسقط مكة في يد المسلمين، فلقيهم خالد وأصحابه بالخندمة فناوشوهم، فأمطروا قوات خالد بالنبال، فأصابوا من المسلمين اثنين كانا قد شذا عن الجيش، لكن خالدا قاتلهم ففرق جمعهم، ودارت الدائرة عليهم فانهزموا وفروا هاربين، وقتل اثنى عشر رجلا من المشركين، وأقبل خالد يجوس مكة بقواته حتى بلغ الصفا حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما تقدم الزبير حتى نصب رايته بالحجون، فلم يبرح حتى جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ضرب له هناك قبة. وهكذا دانت مكة للمسلمين بحمد الله تعالى، وسيطر المسلمون على جميع مداخل مكة، وعسكر جيش المسلمين بأكمله في منطقة جبل هند.

ومع هذا الفتح العظيم دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في غاية التواضع لله تعالى، وقد وضع رأسه على راحلته تواضعا حين رأى ما أكرمه الله تعالى به، وقد كاد شعر لحيته أن يمس واسطة الرحل شكرا لله تعالى.

الصفحة السابقة الصفحة التالية