شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة فتح مكة

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

فلما استراح الجيش نهض النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، فدخل المسجد الحرام، فأقبل على الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت العتيق وهو على راحلته، ولم يكن محرما يومئذ، فاقتصر على الطواف، وهو يحطم كل ما حول البيت الحرام من الأصنام، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، جعل يطعنها بالقوس، وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)، والأصنام تتساقط على وجوهها. فلما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم الطواف دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخل الكعبة فمحا ما بها من رسومات وصور، وكان فيها صورة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يستقسمان بالأزلام! فقال صلى الله عليه وسلم: (قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قط). ثم أغلق عليه باب الكعبة ومعه أسامة وبلال رضي الله عنهما، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع وقف وقد جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان بالبيت يومئذ على ستة أعمدة، فصلى هناك. ثم دار في البيت وهو يكبر في نواحيه. فلما انتهى من تطهير البيت فتح باب الكعبة ووقف عليه، وقد تجمع أهل مكة وقد ملأوا المسجد صفوفا ينتظرون ماذا يصنع بهم، فأخذ بعضادتي الباب، فخطب فيهم خطبة بليغة، قال فيها صلى الله عليه وسلم: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. ألا وقتل الخطأ شبه العمد – السوط والعصا – ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل: أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب. ثم تلا هذه الآية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير). ثم قال: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم)؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: (فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم) اذهبوا فأنتم الطلقاء).

(انظر الخطبة في (الرحيق المختوم) لفضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري – طبعة المكتب الجامعي الحديث – الإسكندرية: ص 390). وهكذا عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل قريش بعد كل هذه السنوات الطويلة من شدة العداوة والاقتتال.

ثم جلس رسول الله صلى الله عليه بالمسجد فاستدعى عثمان بن طلحة فأعطاه مفتاح الكعبة، وقال له: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء). فلما حان وقت الصلاة المفروضة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا رضي الله عنه أن يصعد على الكعبة فيؤذن للصلاة.

وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم يومها دار أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها. وكان وقت صلاته لها وقت الضحى، فظن من ظن أنها صلاة ضحى، ورآها آخرون أنها كانت صلاة الفتح.

الصفحة السابقة