شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر الكبرى

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وكان أكبر ما يشغل بال النبي -صلى الله عليه وسلم- هو رأي الأنصار؛ فهم أولًا أغلبية الجيش، وهم ثانيًا لا يلزمهم قتال قريش خارج نطاق المدينة؛ إذ كانت بيعتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- حال الهجرة إليهم أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم في المدينة، ولم يبايعوه على القتال خارج المدينة، فلما طلب رأي أصحابه، قام ثلاثة كلهم من المهاجرين، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: "يا رسول الله، امضِ لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ ‌فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) (المائدة: 24) ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"، فأثنى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودعا له بخير، ثم قال: "أشيروا عليّ أيها الناس"، يريد بذلك الأنصار، ففطن لذلك سعد بن معاذ فقال: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟"، فقال: "أجل"، فقال سعد: "فقد آمنا بك فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت؛ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا؛ إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله".

وفي رواية أخرى أن سعدًا قال: "لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فأظعِن حيث شئت، وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك" (انظر في ذلك: "الرحيق المختوم" للشيخ صفي الرحمن المباركفوري - طبعة المكتب الجامعي الحديث - الإسكندرية، ص 200 - 201) . فسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقول سعد، وقال: "سيروا وأبشروا، فإن الله -تعالى- قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم".

ولما استقر المسلمون عند أدنى موقع ماء من بئر بدر، أشار الحباب بن المنذر على النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتحرك إلى أقرب موقع ماء من العدو، فينزل عنده ويبني عنده حوضًا للماء، فيملأه، ثم يقوم بتغوير ما عداه من مواقع المياه الأخرى، فيمتلك بذلك المسلمون الماء ويحرم منه عدوهم، وهو ما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- بتنفيذه بالفعل.

وبعد نزول المسلمين على الماء، اقترح سعد بن معاذ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبني المسلمون مقرًّا لقيادته استعدادًا لأي طوارئ، وتحسبًا للهزيمة قبل النصر، حيث قال: "يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن أشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك".

فأثنى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعا له، وبنى المسلمون عريشًا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال ويشرف على ساحة المعركة المنتظرة، وانتخب للعريش مَن يحرسه.

كما استشار النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه -بعد نهاية المعركة- في أمر الأسرى من المشركين، ومال إلى الرأي الذي أبداه أبو بكر الصديق بأخذ الفدية، وإن جاء القرآن بعد ذلك بخلافه، بقوله -تعالى-: ( مَا ‌كَانَ ‌لِنَبِيٍّ ‌أَنْ ‌يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) (الأنفال: 67 - 68) .

- وضع خطة القتال وإدارته فعليًّا:

استعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه قبل القتال، فرآهم يتزاحمون ويدنو بعضهم من بعض، فقام بترتيبهم وجعلهم صفوفًا، وساوى بين هذه الصفوف، على غير ما عهد العرب واعتادوا في حروبهم، ثم خطب فيهم يحثهم على حسن البلاء في القتال؛ يحرضهم ويشجعهم على الصبر فيه، لتقوية عزائمهم ومعنوياتهم في مواجهة تفوق قريش عليهم في العدد والعدة.

وقد جعل النبي للتعارف بين المسلمين كلمة وشعار يعرف به بعضهم بعضًا في المعركة، هو: (أحد... أحد). وهذا أمر مهم؛ خاصة في ظل وجود تشابه بين المسلمين والمشركين، وهم بالمئات في الشكل والتسليح؛ بخلاف لو كان الطرفان يختلفان عن بعضهما في الشكل والتسليح.

أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بصد هجمات العدو وهم مرابطون في صفوفهم ومواقعهم، وأن ينضحوا العدو بالنبل أولًا، ولا يحملوا بصفوفهم على العدو حتى يأذن لهم، ومعنى: "فانضحوهم بالنبل"، أي: ادفعوهم بالنبل، وهي السهام، وهو السلاح بعيد المدى وقتها، ومعنى و"استبقوا نبلكم" أي: لا ترموها على العدو وهو بعيد عنكم، بل انتظروا حتى يقترب.

قال لواء محمد جمال الدين محفوظ في كتابه: (العسكرية الإسلامية ونظريات العصر): (تأخير قذف السهام من القسي حتى يقترب الأعداء، وهو معنى: استبقوا نبلكم، ذلك بعينه هو مبدأ (كبت النيران) في اصطلاحات العلم العسكري الحديث، ومؤداه ألا يبدأ المدافعون في الرماية من بنادقهم حتى يقترب العدو المهاجم إلى البعد الذي يمكن معه أن تصيب كل رصاصة رجلا منه فتقتله)، (حتى تكون الإصابات قاتلة لدقة تصويبها، وحتى لا تتاح للعدو فرصة الإفلات أو المناورة بحيلة من الحيل).

وأضاف: (وهكذا أراد الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- بتلك التعليمات السديدة ألا يطيش سهم من سهام المسلمين، كما أراد أن يقوم المسلمون بنبالهم قومة رجل واحد ليلقوا الرعب والهلع في نفوس المهاجمين) (راجع كتاب: "الإسلامية ونظريات العصر" لواء محمد جمال الدين محفوظ - ط. دار المعارف - سلسلة كتابك رقم 19: 4- 6 بتصرفٍ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية