شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر الكبرى

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وهكذا دخل المسلمون المعركة بأسلوب في القتال جديد غير معهود عند العرب، مقر للقيادة، ومقاتلون في صفوف، يسيطر عليها قائد واحد، ويتحركون بإذنه.

- كان أسلوب الحرب عند العرب يقوم على (الكر والفر) بدون قيادة منظمة، ولا سيطرة من قيادة، في قتال أشبه بقتال أفراد لا كمجموعة واحدة؛ قال اللواء الركن محمود شيت خطاب: (القتال بأسلوب الكر والفر، وهو أن يهجم المقاتلون بكل قوتهم على العدو: النشابة منهم، والذين يقاتلون بالسيوف ويطعنون بالرماح، مشاة وفرسانا، فإن صمد لهم العدو أو أحسوا بالضعف نكصوا، ثم أعادوا تنظيمهم وكروا، وهكذا يكرون ويفرون حتى يكتب لهم النصر أو الفشل. والقتال بأسلوب الصفوف يكون بترتيب المقاتلين صفين أو ثلاثة أو أكثر على حسب عددهم، وتكون الصفوف الأمامية من المسلحين بالرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف المتعاقبة الأخرى من المسلحين بالنبال لتسديدها على المهاجمين من الأعداء، وتبقى الصفوف في مواضعها بسيطرة القائد إلى أن يفقد زخم المهاجمين بالكر والفر… عند ذاك تتقدم الصفوف متعاقبة للزحف على العدو. يظهر من ذلك أن أسلوب الصفوف يمتاز على أسلوب الكر والفر بأنه يؤمن الترتيب بالعمق، فتبقى دائمًا بيد القائد قوة احتياطية يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان، كأن يصد هجومًا مقابلًا لعدو أو يضرب كمينًا لم يتوقعه، أو أن يحمي الأجنحة التي يهددها العدو بفرسانه أو بمشاته، ثم يستثمر الفوز بالاحتياط من الصفوف الخلفية عند الحاجة. إن أسلوب الصفوف يؤمن السيطرة على القوة بكاملها، ويؤمن احتياطًا للطوارئ، ويصلح للدفاع والهجوم في وقتٍ واحدٍ؛ أما أسلوب الكر والفر، فيجعل القائد يفقد السيطرة، ولا يؤمن له أي احتياط للطوارئ).

وأضاف: (إن تطبيق الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأسلوب الصفوف في معركة بدر عامل مهم من عوامل انتصاره على المشركين، والتاريخ العسكري يحدثنا أن سرَّ انتصار القادة العظام)، (هو أنهم طبَّقوا أسلوبًا جديدًا في القتال غير معروف، وقاتلوا بأسلحة جديدة غير معروفة) (راجع كتاب: "الرسول القائد" لللواء ركن محمود شيت خطاب - ط. دار القلم ط. الثالثة، ص 104 - 105 بتصرفٍ يسيرٍ) .

بدأ المشركون القتال بهجوم الأسود بن عبد الأسد المخزومي على حوض الماء الذي بناه المسلمون لاقتحامه وهدمه؛ فتصدى له حمزة بن عبد المطلب، وتغلَّب عليه حتى قتله.

ثم برز ثلاثة من المشركين أمام الجيش طالبين المبارزة، فعيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة من المهاجرين لمبارزتهم ممَّن يعلم شجاعتهم وشدتهم في القتال، فقتل المسلمون الثلاثة المشركين الثلاثة لكن جرح واحد من المسلمين الثلاثة.

استشاط المشركون غضبًا لهذه البداية، فأمطروا المسلمين بالسهام وكر فرسانهم على صفوف المسلمين، ولم يفطنوا بعد لأسلوب المسلمين الجديد في القتال؛ إلا أن صفوف المسلمين ظلت صامدة تضرب بالنبال رجالات المشركين، فتهاوى بعض فرسانهم بنبال المسلمين. فلما اشتد الأمر نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقود المعركة بنفسه، ويتقدَّم صفوف المسلمين التي أخذت تقترب رويدًا رويدًا من المشركين الذين تبعثرت قواتهم، فأصدر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره وهو يثب في درعه بالهجوم المضاد، وأن يشدوا على فلول المشركين.

قال الأستاذ محمد فرج في كتابه: (بدر والفتح: قمة المعارك العسكرية)، عن أحداث غزوة بدر بعد ذكر بناء العريش كمركز قيادة للمسلمين: (ولكن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يستخدمه؛ لأنه -وهو أسوة حسنة للمسلمين- أراد أن يشارك في المعركة، وأن يسهم فيها، وأن يديرها عن قُرب؛ إيمانًا منه بأن القيادة يجب أن تعيش المعركة بكلِّ فكرها ووجدانها، وألا تكون بمعزلٍ عن أحداثها؛ ولهذا عاش الرسول المعركة مع قومه وأصحابه، ينظِّم الصفوف، ويرتب الجند، ويدير المعركة، ويصدر الأوامر والتعليمات، ويشجع أصحابه ويحرِّضهم على الصبر والصمود).

وأضاف الكاتب: (وكان المسلمون ينفذون أوامر قائدهم، بحرص شديد وأمانة رائعة، وطيب خاطر، واستجابة عن إيمان وثقة. ورأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المشركين يقتربون من المسلمين؛ فأصدر أوامره إلى رجاله: "إن اكتنفتم القوم فانضحوهم بالنبال، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم"، وعندما اشتد القتال أمر رسول الله بالقيام بهجوم عام، وصدرت تعليماته إلى رجاله: "شدوا"؛ فاندفع المسلمون في حماس جعل من قلتهم كثرة، ومن ضعفهم قوة، وأخذوا في قوة خارقة يجزون الرؤوس، ويقطعون الرقاب غير مبالين بعنف القتال وشدته) (راجع: "بدر والفتح: قمة المعارك العسكرية" محمد فرج ط. دار المعارف - سلسلة كتابك رقم 47، ص 32، 37 - 39 بتصرفٍ) .

وهكذا تجلَّت شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- في معركة بدر، كما في غيرها من المعارك التي خاضها بعده؛ قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في وصف شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنا كنا إذا اشتد الخطب، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله وهو أقربنا إلى العدو". ولعل في موقفه (يوم غزوة حنين) وثباته يقاتل العدو مع قلة قليلة من أصحابه بعد فرار جموع جيش المسلمين حتى تحقق له النصر؛ لأصدق دليل على ذلك.

بدأت معركة بدر صباح يوم الجمعة 17 رمضان، وانتهت قرب المساء، وقد قُتِل من صناديد قريش (سبعون)، منهم: أبو جهل، والوليد بن عتبة، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأسر منهم أيضًا (سبعون)، وقام المسلمون بجمع الأسلاب والغنائم من أرض المعركة، بينما فَرَّ الباقون من المشركين عائدين إلى مكة مدحورين، يجرون أذيال الهزيمة. وقد استشهد من المسلمين في المعركة أربعة عشر مسلمًا: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.

وبعد أن أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- ببدر ثلاثة أيام تحرَّك بجيشه عائدًا إلى المدينة، فلما بلغ الروحاء؛ لقيه رؤوس المسلمين الذين خرجوا لاستقباله وتهنئته بالنصر، ودخل النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة منصورًا يهابه أعداؤه، وأسلم بشرٌ كثيرٌ مِن أهل المدينة، وإن كان منهم منافقون؛ كان في مقدمتهم: عبد الله بن أُبَي ابن سلول.

الصفحة السابقة