الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر الكبرى
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتعد غزوة بدر الكبرى أول معركة حاسمة في تاريخ الإسلام، وقد وقعت هذه الغزوة في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وقد نصر الله -تعالى- المسلمين فيها نصرًا مؤزَّرًا رغم قلة عددهم وعتادهم في مواجهة جيش المشركين الأكبر منهم عددًا، وأكثر منهم عدة.
خرج المسلمون ليعترضوا طريق قافلة تجارية كبيرة لقريش قوامها ألف ناقة محملة ببضائع عائدة من الشام يقودها أبو سفيان بن حرب، وذلك بعد أن أخذت قريش الأموال والدور من المهاجرين.
كان عدد المسلمين بضعة وثلاثمائة رجلًا؛ إذ لم يظن المسلمون أن هناك مواجهة حاسمة ستقع مع جيش قريش، وإنما غرضهم هو التعرض لقافلة قريش ليس إلا، ولما بلغ أبا سفيان خروجُ المسلمين إليه أرسل على عجل رسولًا إلى قريش يطلب منها الإسراع لنجدة القافلة ثم عرج هو بالقافلة إلى مسارٍ آخر تجاه البحر بعيدًا عن المسلمين، فنجت، بينما هب رجالات قريش مسرعين في حشدٍ كبيرٍ تجاوز الألف رجل معهم مائة فرس وستمائة درع، وعدد كبير من الجمال لإنقاذ تجارتهم قبل وقوعها في أيدي المسلمين.
وسرعان ما وضحت الأمور؛ القافلة قد نجت والمسلمون قد فاتتهم القافلة، بينما جيش قريش صار قريبًا من المسلمين، وتضاربت آراء جيش قريش حول قتال المسلمين أو العودة لمكة، فأصر بعض زعماء قريش وفي مقدمتهم: أبو جهل على استكمال السير إلى حيث يتواجد المسلمين، لإظهار قوة قريش أمام العرب وإرهاب المسلمين، إذ كان أبو جهل لا يشك في تفوق قريش ومنعتها؛ لذا قال في كبر وتفاخر: "والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعده".
وهكذا تلاقى الطرفان في قتالٍ على غير موعدٍ، كما قال -تعالى-: ( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ) بناحية الوادي وجانبه القريب ( وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى ) بالجهة البعيدة عنه ( وَالرَّكْبُ ) القافلة التي نجت ( أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) في مكان أسفل من المكان الذي كنتم فيه، ( وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (الأنفال: 42) ، فكانت المعركة الحاسمة والنصر المبين، حيث تساقط فيها صناديد قريش واحدًا بعد الآخر ما بين قتيل وجريح.
وقد شهدت هذه المعركة الحاسمة صورًا من القيادة العسكرية الفذة للنبي -صلى الله عليه وسلم- تظهر قدراته القتالية، وكفاءته العالية في تسيير الحرب، وهو ما سنحاول أن نبيِّن هنا جانبًا منه من خلال أحداث هذه الغزوة، فمنها:
- تقديم دوريات استطلاعية:
بإرسال مَن يترقب ويجمع الأخبار عن عودة قافلة قريش من الشام والتعرف على أحوالها للخروج لاعتراضها، ثم بجمع المعلومات بعد ذلك عن جيش قريش القادم من مكة قبل ملاقاته، وقد تكررت تلك الدوريات الاستخبارية كثيرًا في غزواته -صلى الله عليه وسلم-.
ولا شك أن تجميع مثل هذه المعلومات والأخبار عن قوات العدو وموقعها وأرض المعركة للاستفادة منها أمر مهم في وضع خطة مواجهة العدو، وفي هذا أيضًا تفادٍ لأي مباغتة في الزمان أو المكان، وتجنب أي كمائن من العدو.
- التعبئة الجيدة للقوات:
حيث قام -صلى الله عليه وسلم- بتعبئة قواته في ترتيب محكم، مكوَّن من دورية استطلاعية أمام القوات لجمع المعلومات عن أحوال خط سير الجيش ورصد أي تحركات للعدو.
يلي ذلك القسم الأكبر من القوات المؤلف من كتيبتين: الأولى للمهاجرين ورايتها مع علي بن أبي طالب، والثانية للأنصار، ورايتها مع سعد بن معاذ، والرايتان سوداوان. وجعل على قيادة الميمنة: الزبير بن العوام، وجعل على قيادة الميسرة: المقداد بن عمرو، وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش، ثم المؤخرة (الساقة) بإمرة قيس بن أبي صعصعة. وللقوات راية عامة بيضاء مع مصعب بن عمير، وهذا التشكيل للقوات يماثل أحدث صور التعبئة الحديثة في حروب الصحراء.
- التعايش مع أحوال قواته:
كان مع المسلمين سبعون من الإبل فقط، فكان كل ثلاثة يتناوبون على بعيرٍ طوال مسافة التحرك، ولم يميز النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه بشيء وهو القائد العام للجيش، ولم يؤثر نفسه عليهم في شيء، إذ أصر على الاشتراك مع اثنين من أصحابه في التعاقب على بعير واحد طوال الرحلة.
- التشاور مع أصحابه:
نقلت استخبارات قوات المدينة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبر عير قريش وخبر نفيرها (جيشها)، وتأكد بعد تدبر تلك الأخبار أنه لم يبقَ إلا لقاءٌ دامٍ بين المسلمين الذين خرجوا لطلب القافلة التي نجت وبين جيش مكة بفرسانه وصناديده؛ خاصة وقد وَعَد الله -تعالى- رسولَه عند خروجه بإحدى الطائفتين أنها للمسلمين؛ العير غير ذات الشوكة أو النفير.
ونظرًا لهذا التطور الخطير المفاجئ، عقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسًا استشاريًّا أوضح فيه الوضع الراهن، وتبادل فيه الرأي مع قادة الجيش وعامتهم، فخاف البعض توابع هذا اللقاء الحربي، وهم غير متأهبين لقتال جيش مكة، وهم مَن قال الله -تعالى- فيهم: ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) (الأنفال: 5-6) ، أما قادة جيش المسلمين فلم يهابوا الموقف.
