شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

اغتنام ليلة القدر

الشيخ علاء بكر • التزكية

- عدم إجهاد النفس طوال النهار بالانكباب على أعمال دنيوية كثيرة مجهدة يحتاج المرء بعدها إلى الراحة البدنية في الليل، وتحد من القدرة على الاجتهاد في العبادة تلك الليلة.

- تحفيز النفس وتذكيرها بفضل العبادات والعمل الصالح في تلك الليل؛ إذ هي أفضل من ثلاثين ألف ليلة، فكل لحظة وثانية عبادة فيها لها قيمتها ووزنها.

- لا بأس بأخذ قسط من الراحة أو القيلولة قبل دخول هذه الليلة بنية التقوى على العبادات في تلك الليلة.

- تجنب المعاصي والذنوب القولية والفعلية الكبيرة والصغيرة يومها وليلها، فمن شؤم المعاصي حرمان العبد من الطاعات أو الوقوع في الاستهانة بتحصيلها وأدائها على الوجه الأكمل، والسيئات يذهبن الحسنات كما أن الحسنات يذهبن السيئات.

- تجنب أكل الحرام والمشتبه في حله، فما نبت من حرام فالنار -لا الجنة- أولى به.

- الحرص على سلامة القلب مِن: الحقد والحسد والضغينة للآخرين.

هل لليلة القدر علامات تُعرَف بها؟

لليلة القدر علامات خفية تقع خلال الليلة، وعلامات ظاهرة تدرك بعد انتهائها، أما العلامات الخفية، فمنها:

- كثرة نزول الملائكة إلى الأرض فيها: فهي فيها أكثر من الحصى، قال -تعالى-: ( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (القدر: 4) ، فتنزَّل تفيد الكثرة.

قال ابن كثير -رحمه الله-: (أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة؛ لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له، وأما الروح فقيل: المراد به جبريل -عليه السلام-، فيكون من باب عطف الخاص على العام. وقيل: هم ضرب من الملائكة).

وورد في صحيح ابن خزيمة وحسنه الألباني، أن الملائكة في تلك الليلة أكثر في الأرض مِن عدد الحصى.

- أنها سلام حتى مطلع الفجر:

كما قال -تعالى- عنها: ( سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (القدر: 5) .

قال الإمام الشوكاني في فتح القدير: (أي: ما هي إلا سلامة وخير كلها، لا شر فيها. وقيل: ذات سلامة من أن يؤثِّر فيها شيطان في مؤمن أو مؤمنة. قال مجاهد: هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أذى). وفي حديث جابر المرفوع: ( ‌لَا ‌يَخْرُجُ ‌شَيْطَانُهَا ‌حَتَّى ‌يَخْرُجَ ‌فجرها ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني لغيره) .

وقال الشعبي: "هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كل مؤمن، ويقولون: السلام عليك أيها المؤمن". وعن عطاء: "يريد سلام على أولياء الله وأهل طاعته حتى مطلع الفجر، أي: حتى وقت طلوعه". وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن الملائكة تسلِّم على كل مؤمن ومؤمنة في ليلة القدر، ومَن تسلم عليه يغفر له ما تقدم من ذنبه.

وهناك أربعة لا تسلم عليهم الملائكة في ليلة القدر، وهم:

- المصر على معصية (وأهل الكبائر أولى)، والمشاحن، وعلاج ذلك المسامحة لله -تعالى-، ومدمن الخمر (وفي حكمها تناول المخدرات)، والكاهن، ومعلوم حرمة العرافة وإتيان العرافين، فمَن أتي عرافًا لا تقبل له صلاة أربعين يومًا.

- طمأنينة نفس المؤمن وانشراح صدره فيها، وشعوره بلذة القيام فيها بما لا يجده في غيرها من الليالي؛ لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية.

أما العلامات الظاهرة:

جاء في أمارتها فيما أخرجه مسلم في صحيحه، أن الشمس تطلع في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع فيها، وفي الحديث عن واثلة بن الأسقع وعبادة بن الصامت مرفوعًا: ( ‌لَيْلَةُ ‌الْقَدْرِ ‌لَيْلَةٌ ‌بَلِجَةٌ ‌لَا ‌حَارَّةٌ ‌وَلَا ‌بَارِدَةٌ وَلَا سَحَابَ فِيهَا وَلَا مَطَرَ وَلَا رِيحَ وَلَا يُرْمَى فِيهَا بِنَجْمٍ وَمِنْ عَلَامَةِ يَوْمِهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَا شُعَاعَ لَهَا ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) . وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( ‌لَيْلَةُ ‌القَدْرِ ‌لَيْلَةٌ ‌سَمْحَةٌ ‌طَلِقَةٌ ‌لَا ‌حَارَّةٌ ‌وَلَا ‌بَارِدَةٌ ‌تُصْبِحُ ‌الشَّمْسُ ‌صَبِيحَتَهَا ‌ضَعِيفَةً ‌حَمْرَاءَ ) (رواه البيهقي في السنن وأبو داود الطيالسي، وصححه الألباني) . ومعنى: لا يرمى فيها بنجم، أي: لا يرمى فيها بشهب.

وفي حديث جابر المرفوع: ( كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني لغيره) ، فليلة القدر ليلة صافية وضيئة، يكون الجو فيها مناسبًا، وطقسها معتدل، ويليها طلوع الشمس صبيحتها لا شعاع لها حتى ترتفع.

وقد يرى الله -تعالى- أحد عباده المؤمنين فيها علامة يعرف بها هذه الليلة، أو يراها في منامه، فتكون له كرامة؛ فالأولى له سترها فتكون بينه وبين الله -تعالى-.

وقد ورد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: إن رجالا من أصحاب النبي أروا ليلة القدر – يعني في المنام – في السبع الأواخر، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أرى رؤياكم قد تواترت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ) (متفق عليه) . وعند مسلم: رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، ‌فَاطْلُبُوهَا ‌فِي ‌الْوِتْرِ ‌مِنْهَا ).

وقد اعتاد الناس في الأعوام الأخيرة الاجتهاد في ترقب تلك العلامة الظاهرة وادعاء رؤيتها والاختلاف عليها بين ليالي العشر الأواخر من رمضان، ونشر ذلك على وسائل الاتصال المختلفة، وينبغي الحذر من ذلك -حتى وإن صح رؤية ذلك-؛ لما في نشر ذلك من تثبيط همم الكثيرين عن الاجتهاد في الطاعات باقي ليالي الشهر والتراخي في تحصيل الثواب فيها، وهو خلاف مراد الشرع من عدم التصريح والتعيين لليلة القدر، وهو الاجتهاد في كل ليالي العشر.

ويمكن الإخبار بذلك لمن كان لا بد فاعلًا بعد انتهاء شهر رمضان وزوال خشية التراخي في الاجتهاد في العبادة باقي ليالي الشهر.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف لو عينت لاقتصر عليها".

الصفحة السابقة الصفحة التالية