شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

اغتنام ليلة القدر

الشيخ علاء بكر • التزكية

قال ابن رجب -رحمه الله-: "إن إيهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله -أو أوتاره- في طلبها فيكون سببًا لشدة الاجتهاد وكثرته".

مخالفات وبدع تقع في ليلة القدر:

- الاعتقادات الباطلة حول ليلة القدر: كزعم أن الكلاب لا تنبح فيها، أو أن السماء لا بد أن تمطر، أو أن هناك طاقة من نور تظهر في السماء!

- الانشغال عن الاجتهاد في الطاعة تلك الليلة بالاحتفالات الرسمية والشعبية، كما يحدث في الموالد والمواسم الأخرى، والاجتماع لها بإقامة السرادقات والزينات، وما يصحبها من الإنشاد الديني والتواشيح، وإلقاء القصائد والأشعار والكلمات! وهذا كله يخالف هدي وعمل السَّلَف الصالح على ما فيها من رياء ومشغلة للوقت عما هو أولى وأهم.

قال الشيخ علي محفوظ -رحمه الله- عن بدع ليلة القدر: (إحياؤها بغير ما رغَّب الشرع فيه من إيقاد المنارات، وغيرها، وكثرة الوقود في المساجد، إلى غير ذلك مما لا فائدة فيه ولا غرض صحيح) (راجع الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ - ط. دار البيان العربي - القاهرة. ط. أولى، ص 275) .

دعاء القنوت:

جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عَلَّم سبطه الحسن بن علي -رضي الله عنهما- دعاء القنوت في الوتر، ونصه: ( اللَّهُمَّ ‌اهْدِنِي ‌فِيمَنْ ‌هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

وقد ثبت دعاء القنوت في صلاة الوتر عن جماعة من الصحابة، وورد أن القنوت كان في عهد خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في النصف الثاني من رمضان يُزَاد فيه: "اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرعب، وألقِ عليهم رجزك وعذابك إله الحق"، ثم يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويدعو ويستغفر للمسلمين، فإذا فرغ قال: "اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد -أي: نسرع-، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق"، ثم يكبر ويهوي ساجدًا (راجع رسالة: قيام رمضان، للألباني ط. الدار السلفية - الكويت) .

ومن كمال القبول والاستفادة من دعاء القنوت في الوتر استحضار ما في هذا الدعاء من معاني جليلة:

- ففي قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ ‌اهْدِنِي ‌فِيمَنْ ‌هَدَيْتَ )، الهداية على نوعين:

- هداية العلم أو هداية البيان والإرشاد: ومنها قوله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌وَإِنَّكَ ‌لَتَهْدِي ‌إِلَى ‌صِرَاطٍ ‌مُسْتَقِيمٍ ) (الشورى: 52) .

- هداية العمل أو هداية التوفيق والإسعاد: ومنها قوله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌إِنَّكَ ‌لَا ‌تَهْدِي ‌مَنْ ‌أَحْبَبْتَ ) (القصص: 56) .

وهنا في هذا الدعاء طلب الهدايتين من الله -تعالى-، كما في قولنا في سورة الفاتحة التي تقرأ في كل ركعة في الصلاة: ( ‌اهْدِنَا ‌الصِّرَاطَ ‌الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ).

وهذا السؤال مصحوبًا بالتوسل بنعم الله -تعالى- على مَن هداه أن ينعم علينا نحن أيضًا بهذه الهداية، والمعنى: إننا نسألك الهداية، فإن ذلك من مقتضى رحمتك وحكمتك، ومن سابق فضلك، فإنك قد هديت أناسًا آخرين، فاهدنا فيمن هديت.

- وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ )، المعافاة: معافاة من أمراض البدن العضوية المعروفة، ومعافاة من أمراض القلوب.

وأمراض القلوب على نوعين:

- أمراض الشهوات: ومنشؤها الهوى، فيعرف العبد الحق لكن لا يريده -عياذا بالله-، فيكون هواه مخالفًا لكل أو بعض ما جاء به شرع الله -عز وجل-.

- أمراض الشبهات: ومنشؤها الجهل، ونقص تعلم العلم الواجب النافع، فيعتقد الجهل ويفعل الباطل يظنه الحق.

- وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت )، الولاية من الله -تعالى- على نوعين:

- الولاية الخاصة: وتكون للمؤمنين خاصة، فنحن نسأل الله -تعالى- الولاية الخاصة، والتي تقتضي العناية بمَن ولاه الله -عز وجل-، وتقتضي التوفيق والنصرة، قال -تعالى-: ( ‌اللَّهُ ‌وَلِيُّ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) (البقرة: 257) ، وقال -تعالى-: ( ‌إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌اللَّهُ ‌وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (المائدة: 55) .

- والولاية العامة: وهي عامة لكل الخلق، للمؤمنين وغيرهم، كما في عموم قوله -تعالى-: ( ‌ثُمَّ ‌رُدُّوا ‌إِلَى ‌اللَّهِ ‌مَوْلَاهُمُ ‌الْحَقِّ ) (الأنعام: 62) .

- وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَبَارِكْ لِي )، البركة: الخير الكثير المستقر، من (البِرْكة) بكسر الباء وسكون الراء: مجمع الماء الكثير الثابت.

( فِيمَا أَعْطَيْتَ ): من الولد والمال والعلم، أي: من كل شيء.

وطلب البركة مطلوب، فمن الناس من عنده مال، ولكن لا يبارك له فيه، فيكون فيه بخل وتقتير وشح، ومنع حقوق الناس. ومن الناس من عنده علم، ولكن لا يظهر عليه أثر العلم في عباداته وأخلاقه وسلوكه، فيكون معه كبر وعلو، ولا ينتفع أحدٌ بعلمه؛ لا بتدريس، ولا توجيه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية