اغتنام ليلة القدر
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد اختص الله -تعالى- شهر رمضان بليلة عظيمة القدر لا نظير لها؛ ألا وهي: "ليلة القدر" التي كان يبشر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه -رضي الله عنهم- بها مِن أول معرفته بدخول شهر رمضان، ففي الحديث المرفوع: ( إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا كل محروم ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .
وفي بيان فضلها وقدرها أنزل الله -تعالى- على نبيه -صلى الله عليه وسلم- سورة كاملة هي (سورة القدر)، قرأنا يتلى إلى يوم القيامة: قال -تعالى-: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (القدر: 1-5) .
وفي شأن هذه الليلة المباركة أيضًا وبيان بعض خصائصها، قال -تعالى- أيضًا: ( حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (الدخان: 1-6) .
وفي بيان فضل قيامها على سائر قيام الليالي الأخرى، وأن إدراك قيامها وحدها كفيل بمغفرة ما تقدَّم من ذنوب العبد؛ جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، ويستحب فيها -كما هو معلوم-: الإكثار من العبادات والطاعات؛ خاصة الدعاء، وفي مقدمة هذا الدعاء: ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: ( قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وفي حديث عائشة هذا:
- دليل على إمكان معرفة ليلة القدر وبقائها، وأنها لم ترفع.
- دليل على استحباب الدعاء في هذه الليلة بهذه الكلمات.
وطبقًا للأدلة الشرعية يكون تحري هذه الليلة في الليالي الوتر من الليالي العشر الأخيرة من رمضان.
وينبغي في ليلة القدر:
- صلاة المغرب والعشاء والفجر فيها في المسجد مع الجماعة؛ لعظم أجر صلاة الجماعة عامة، والعشاء والفجر خاصة، فعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ ) (رواه مسلم) . وفي رواية للترمذي: ( مَنْ شَهِدَ العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى العِشَاءَ وَالفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- قيام ليلتها في جماعة مع الإمام: ففي الحديث المرفوع: ( إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، ومقتضى ذلك: الصلاة خلف الإمام، والقيام كله بما في ذلك أداء الوتر معه.
- كثرة الدعاء طوال هذه الليلة؛ خاصة بالدعاء الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ).
- جعل جزء من صلاة السنن في هذه الليلة وغيرها -خاصة السنن البعدية- في البيت بعيدًا عن أعين الغير؛ فالأولى صلاة التطوع في البيت، وصلاة الفرض مع الجماعة في المسجد، وفي الحديث المرفوع: ( صَلَاةُ الرَّجُلِ تَطَوُّعًا حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ تَعْدِلُ صَلَاةً عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ) (رواه أبو يعلى، وصححه الألباني) .
- التنوع في العبادات والطاعات لدفع الملل أو التعب، وللإكثار من أعمال الخير في هذه الليلة المباركة، فإلى جانب صلاة القيام والدعاء، فهناك قراءة القرآن والذكر والاستغفار، وهناك أيضًا الأعمال الصالحة التي يتعدَّى نفعها للغير إن أمكن، كإطعام صائم، والتصدق بالمال ونحوه على فقير أو مسكين، أو إعانة ضعيف أو محتاج، أو إعانة الأهل في البيت، أو زيارة مريض، أو صلة رحم ولو بالاتصال الهاتفي.
ويدخل في زمرة تلك العبادات ترديد أذان كل صلاة في هذه الليلة بعد المؤذن، والذكر الوارد بعد الأذان، وإسباغ الوضوء، والذكر بعده، والتبكير إلى المسجد لصلاة الجماعة والقيام، وذِكْر الخروج من البيت وذكر دخول المسجد، وصلاة السنن القبلية والبعدية، والدعاء بين الأذان والإقامة، فلا يستهان بطاعة وإن قَلَّت، فثواب أي منها مضاعف مضاعفة تفوق كل وصف -بحمد الله تعالى وفضله-.
- الجمع في تلك الأعمال الصالحة بين الكيف والكم، فيكون الهم في أداء الأعمال الصالحة أن تكون على أكمل وجه وأحسن أداء، مع الإكثار من أعدادها على قدر الإمكان.
- الاعتكاف في المسجد، واعتكاف ليالي وأيام العشر الأواخر من رمضان سنة مؤكدة، ويوم وليلة القدر منها.
- أداء عمرة فيها، وعمرة في رمضان في الأجر كأجر حجة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليلة القدر منها، مع ما في فضل ليلة القدر وفضل الصلاة والقيام في المسجد الحرام، وهذه الأعمال تتطلب من العبد -لتحصيل أكبر قدرٍ منها كمًّا ونوعًا- إعداد العدة لها.
ومن مظاهر الاستعداد لها:
- تقليل الطعام والشراب عند الإفطار، فيكتفي المرء بما يذهب عنه الجوع والظمأ، ويتجنب الإكثار من الطعام والشراب بما يؤدي إلى التخمة والخمول والكسل عن العبادات والطاعة.
