شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها "الدعوة السلفية" في الأعياد- (عيد الفطر المبارك 1444هـ)

صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور

(‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

( ‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) (الأعلى: 14-15) ؛ هذه الحقيقة القرآنية التي تضمَّنتها سورة الأعلى التي كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يقرأ بها في الجمع والأعياد، فالفلاح والنجاح هو في تحقيق الأهداف على أتمِّ وجه، وحيث إن الغاية مِن خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، كما قال -تعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات: 56) ، فكان فلاح الإنسان هو بمقدار تحقيقه لهذه العبودية.

والعبادة هي: كمال الحب مع تمام الذل، وهي طاعة الله بفعل ما أمر به وترك ما نَهَى عنه؛ ولذلك قال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ) (المؤمنون: 1-4) .

وبمقدار هذا الفلاح في تحقيق الإنسان للغرض من وجوده في الدنيا، يتحقق مقصوده من نيل رضا الله والجنة؛ ولذلك قال -تعالى- بعد ذِكْرِ طائفةٍ من عبادات أهل الإيمان: ( أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (المؤمنون: 10-11) .

وهذا الذي ذكره الله -عز وجل- مفصَّلًا في "سورة المؤمنون" أُجمِل في تلك الكلمة الجامعة: ( ‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى )؛ فكل هذه العبادات هي في حقيقتها تزكية للنفس، كما قال الله أيضًا: ( ‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ ‌زَكَّاهَا ) (الشمس: 9 ) ، فمِن هذه التزكية: أن تعرفَ النَّفْسُ رَبَّها وخالقها، وأن تتوجَّه إليه بالدعاء والعبادة: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (البقرة: 186) .

وضرب الله -عز وجل- مثلًا للفَرْق بين مَن يُخلِص دينه لله وبين مَن يتوجَّه إلى غير الله بالعبادة، فقال: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ? الْحَمْدُ لِلَّهِ ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (الزمر: 29) .

إذًا فحينما يُتلَى علينا قوله -تعالى-: ( ‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) في جُمعاتنا وأعيادنا؛ فذلك تذكرة لنا: أن نعرفَ اللهَ ونخلص له العبادة؛ فلا نصلي إلا لله، ولا ننذر إلا له، ولا نذبح إلا باسمه، ولا نطوف إلا حول بيته الحرام، وأن نجتنب كلَّ ما يقدح في هذا التوحيد، أو في كماله؛ لننال تزكية قلوبنا.

وهذه التزكية تجعل قلب صاحبها منيرًا بنور الله، وتجعل لسانه رطبًا دائمًا بذِكْرِ الله، وتجعل قرة عينه في الصلاة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَجُعِلَ ‌قُرَّةُ ‌عَيْنِي ‌فِي ‌الصَّلَاةِ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) ، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر يقول: ( يَا ‌بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ، ‌أَرِحْنَا ‌بِهَا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

( ‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) زكاة الفطر والصلاة.

ما سبق هو المعنى العام لقوله -تعالى-: ( ‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ).

وقد وَرَد عن السَّلَف معنى خاص لا يعارض المعنى العام، وهو في زكاة خاصة، وصلاة خاصة، هي زكاة الفطر وصلاة عيد الفطر.

وقد سَمَّى الشرعُ ما أوجبه من حقٍّ معلوم للسائل والمحروم زكاة؛ لأن مخرجه إنما تطيب نفسه به بعد أن يجاهد شهوة حب المال؛ ولأن الله يورث مَن جاهد فيه هذه المجاهدة طيبًا وطهارة وزكاة في قلبه، كما قال -تعالى-: ( ‌خُذْ ‌مِنْ ‌أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (التوبة: 103 ) .

وقد أوجب الشرع زكاة الفطر من الطعام المقتات المُدَّخَر، وكذلك شرع كثيرًا من الكفارات، وجعل بدل الصوم لمَن عجز عن الصوم وعن القضاء إطعامًا؛ ليسد هذه الحاجة عند الفقراء، والتي هي أمس حاجاتهم.

والمسلمون مطالبون حال وجود حالات غلاء أسعار أو نحوها أن لا يقفوا عند حدود الواجب، وأن يتوسعوا في النفقة المستحبة بكلِّ صورها، فالمجتمع المسلم يجب أن يكون كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ ‌بِالسَّهَرِ ‌وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) ، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-.

ومن جملة ثناء الله في القرآن على شيخ الصحابة ومقدمهم "أبي بكر -رضي الله عنه-"، قوله -تعالى-: ( ‌وَسَيُجَنَّبُهَا ‌الْأَتْقَى . الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى . وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) (الليل: 17-21) .

وما أكثر حاجتنا إلى أن نتدارس سيرة سلفنا الصالح؛ لنتخذهم قدوة، ونسير على طريقتهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، ولكي ندافع عن سيرتهم أمام الفِرَق المنحرفة الذين يتخذون الصحابة -رضي الله عنهم- غَرَضًا لطعنهم.

(‌وَتَعَاوَنُوا ‌عَلَى ‌الْبِرِّ ‌وَالتَّقْوَى):

الصفحة التالية