شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (12) أذية الجيران (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة، قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

- أذية الجيران من الكبائر العظام، والمنكرات الجسام؛ فقد ورد في ذلك التهديد الأكيد، والوعيد الشديد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ) (رواه مسلم) .

مكانة الجار في الإسلام:

- أوصى الإسلام بالجار، حتى قرن الله حق الجار بحقه -سبحانه-، فقال -تعالى-: ( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ) (النساء: 36) (1) .

- جعل الإسلام الإحسان إلى الجار من علامات الإيمان والانتماء إلى الإسلام: قال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ) (متفق عليه) . وفي رواية لمسلم: ( فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ )، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: "مَن التزم شرائع الإسلام؛ لزمه إكرام جاره".

- كاد الإسلام أن يشرع توريث الجار لجاره؛ لعظم مكانته وحقه: عن عائشة -رضي الله عنها-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي ‌يَشْبَعُ، ‌وجارُه جَائِعٌ ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) .

- الكرام يقومون بحق الجار حتى مع الكفار (2) : عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أنه ذُبِحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟، قلنا: لا، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( ‌مَا ‌زَالَ ‌جِبْرِيلُ ‌يُوصِينِي ‌بِالْجَارِ، ‌حَتَّى ‌ظَنَنْتُ ‌أَنَّهُ ‌سَيُوَرِّثُهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

بل الكرام يتمدحون بحسن الجوار في كلِّ زمان، قال الشاعر الجاهلي:

مـا ضـرَّ جـاري إذ أُجــاوِره ألا يـكـونَ لـبـيــتِـه سِــتْــرُ

أعمى إذا ما جارَتي خَرَجَـت حـتى يُوَارِي جارتي الخِدْرُ

- ولذا جعل الإسلام الجار الصالح من أسباب السعادة، وجعل جار السوء من أسباب التعاسة والبلاء والنقمة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَرْبَعٌ ‌مِنَ ‌السَّعَادَةِ: ‌الْمَرْأَةُ ‌الصَّالِحَةُ، ‌وَالْمَسْكَنُ ‌الْوَاسِعُ، ‌وَالْجَارُ ‌الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الشَّقَاوَةِ: الْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ الضِّيقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .

تحريم إيذاء الجار، وعاقبة الجار المؤذي:

- شدد الإسلام على حرمة الجار وتحريم إيذائه، حتى علق درجة إيمان العبد وإسلامه على ذلك، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهُ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ ) قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: ( الذي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( َمنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ ) (متفق عليه) .

- جعل الإسلام ذنب إيذاء الجار عشرة أضعاف إيذاء غيره: عن المِقْدَاد بن الأسود -رضي الله عنه- قال: سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أصحابه عن الزِّنَى؟ قَالُوا: حرامٌ؛ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ: ( لِأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ )، وَسَأَلَهُمْ عَنِ السرقة؟ قالوا: حرام؛ حرمه اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَرَسُولُهُ. فَقَالَ: ( لِأَنْ يَسْرِقَ مِنْ عَشَرَةِ أَهْلِ أبياتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ ‌أَنْ ‌يَسْرِقَ ‌مِنْ ‌بَيْتِ ‌جَارِهِ ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) .

- جعل الإسلام ذنب إيذاء الجار محبطًا للأعمال، وسببًا في دخول النار: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلاَنَةً تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ )، قَالُوا: وَفُلاَنَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ، وَلاَ تُؤْذِي أَحَدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) .

وقفة مهمة: أشرُّ الجيران مَن اضطر جاره إلى هجرة بيته:

الصفحة التالية