الكبائر (12) أذية الجيران (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- فاعل ذلك مستحق للعن الناس ودعائهم، فضلًا عما تقدَّم من العقوبة في الإسلام: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: ( اذْهَبْ فَاصْبِرْ ) فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: ( اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ )، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ، وَفَعَلَ، وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ، لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ. (رواه أبو داود، وقال الألباني: "حسن صحيح") . وقَالَ ثَوْبَانُ -رضي الله عنه-: "مَا مِنْ جَارٍ يَظْلِمُ جَارَهُ وَيَقْهَرُهُ، حَتَّى يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ، إِلَّا هَلَكَ" (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) .
- ولأجل ذلك، كانت الخصومة بين الجيران مِن أول ما يُقضَى فيه يوم القيامة: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .
وسائل تقوية حسن الجوار:
- بداية... اشكر الله على الجار الصالح: قال الله -تعالى-: ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (الضحى: 11) .
- اصبر على أذى الجار، وأحسن إليه لعله ينصلح أو يرحل: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ... )، ثم ذكر منهم: ( ... وَالرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْجَارُ يُؤْذِيهِ جِوَارُهُ، فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ ظَعْنٌ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
من صور الإحسان وتقوية حسن الجوار:
1- الإهداء إليه، والسؤال عنه، فإنه سبيل للمحبة والألفة: عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَهادُوا تَحابُوا ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني) .
2- تنصره ظالمًا ومظلومًا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: ( تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ) (متفق عليه) .
3- التصدق عليه إن كان فقيرًا؛ فهو أولى مِن البعيد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنْ تُدْخِلَ عَلَى أَخِيكَ الْمُسْلِمِ سُرُورًا، أَوْ تَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تُطْعِمَهُ خُبْزًا ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني) .
4- التنازل عن بعض الحقوق النافعة له: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ) (متفق عليه) .
5- دعوته إلى الخير، ونصحه للدين: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ -أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) (رواه مسلم).
خاتمة: تربية أهل البيت على الإحسان إلى الجار:
- يجب تربية أهل البيت من زوجة وولد على تعظيم حق الجار، فإن الأذية قد لا تصدر من الرجل لجاره، ولكن من زوجه أو ولده: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ) (رواه مسلم) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق؛ فأما الذي له حق واحد: فجار مشرك لا رَحِم له، فله حق الجوار. وأما الذي له حقان: فجار مسلم له حق الإسلام، وحق الجوار. وأما الذي له ثلاثة حقوق: فجار مسلم ذو رحم، له حق الإسلام وحق الجوار، وحق الرحم. وكلما كان الجار أقرب بابًا كان آكد حقًّا؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: ( إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا ) (رواه البخاري) . والحكمة في ذلك: أن الأقرب بابًا يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف إليها، بخلاف الأبعد.
(2) فائدة مهمة لمَن أراد الزيادة: كيف تُعامل جارك إذا كان عاصيًا لله؟
قال الذهبي في (حق الجار، ص 46 - 49): "وإذا كان الجار صاحب كبيرة، فلا يخلو:
- إما أن يكون متستِّرًا بها، ويغلق بابه عليه، فليعرض عنه ويتغافل عنه، وإن أمكن أن ينصحه في السر ويعظه، فحسَنٌ.
- وإن كان متظاهرًا بفِسقه؛ مثل: مكَّاس -وهو جابي الضرائب- أو مُرابٍ، فتَهجره هجرًا جميلًا.
- وإن كان تاركًا للصلاة في كثير من الأوقات، فمُره بالمعروف، وانْهَه عن المنكر مرة بعد مرة، وإلا فاهجره في الله، ولعله أن يرعوي ويحصل له انتفاع بالهجرة، من غير أن تقطع عنه كلامك وسلامك وهديتك.
- فإن رأيته متمردًا عاتيًا بعيدًا عن الخير، فأعرِض عنه واجتهد أن تتحول من جواره، فقد تقدَّم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تعوذ من جار السوء في دار الإقامة.
- فإن كان جارك دَيُّوثًا، أو قليل الغَيرة، أو حريمه على غير الطريق المستقيم؛ فتحوَّل عنه، أو فاجتهد ألا يُؤذوا زوجتك؛ فإن في ذلك فسادًا كثيرًا، وخَف على نفسك المسكينة، ولا تدخل منزله، واقطع الود بكل ممكن.
- فإن كان جارك رافضيًّا أو صاحب بدعة كبيرة، فإن قدرتَ على تعليمه وهدايته، فاجتهد، وإن عجزت، فانجمع عنه ولا تواده ولا تصافه، ولا تكن له مصادقًا ولا معاشرًا، والتحول عنه أَوْلى.
- فإن كان جارك يهوديًّا أو نصرانيًّا في الدار أو السوق أو البستان، فجاوره بالمعروف ولا تؤذه.
