الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (114) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (18)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) (الأنعام: 74-83) .
قوله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، فيه فوائد:
الفائدة الرابعة: قوله -تعالى- عن الخليل إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )، تأكيد على البراءة مِن المشركين بعد أن تبرأ من شركهم في أول كلامه حيث قال: ( يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ )، فكان فيها البراءة من الشرك، وهنا قال: ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )، فكان فيها البراءة من المشركين؛ فالبراءة من الشرك كعقيدة ومنهج لا تكفي حتى يتبرأ العبدُ من المشركين؛ بأن يبغضهم ويعاديهم، ويكفر بهم أنفسهم، كما قال -تعالى-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (الممتحنة: 4-5) .
فتأمل في قول -تعالى- عن المؤمنين: ( كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ )؛ ليتضح لك نفس ما في هذه الفائدة العظيمة من قوله: ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )؛ ولتعلم بطلان مَن يعلن ود الكافرين ومحبتهم، ويزعم أنه لا يحب عقيدتهم وكفرَهم، وأن هذه المحبة هي مِن حسن العشرة والبر والقسط الذي أمر الله به!
وهذا من الباطل؛ فإن الله -عز وجل- قال بعد آية الأسوة الحسنة في إبراهيم والذين معه، قال: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة: 8) ، فأمر بالبر والقسط ثم نهى عن المحبة والموالاة، فقال: ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (الممتحنة: 9) ، مع أن الآيات نزلت في قومٍ كان بيننا وبينهم عهد، كما جاءت أم أسماء في الهدنة التي كانت بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمشركين في الحديبية تريد زيارة ابنتها، وتريد برها وصلتها، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ ) (متفق عليه) ، ونزلت هذه الآية.
وأما الذين يريدون أن يفرِّقوا بين الشرك فيُبغَض، وبين المشركين فيُحبون ويُوادون؛ كأن الشرك شيءٌ في الهواء ليس له ارتباط بالأرض وبالأشخاص؛ فهذا مِن أبطل الباطل! كما دخل أحدهم في مداخلة هاتفية في حوارٍ كان بيني وبين أحد القساوسة، وكان يطعن في الدعوة السلفية، ويزعم أنها تأمر بقتل النصارى والاعتداء على أموالهم وكنائسهم، فدخلت في المداخلة، وقلتُ له: إن هذا الكلام كذب. فنحن لا نأمر بقتل النصارى، ولا نجيز ذلك؛ لأنهم مُعَاهَدون معصومون، ولا نعتدي على كنائسهم ولا على أموالهم، بل حمينا أنفسهم وأملاكهم ومحلاتهم أثناء الفوضى التي حَدَثَتْ بعد انهيار الشرطة في يوم 28 يناير 2011م، فتعرَّضتِ المحلات للنهب والسطو، فقلنا: أننا سنحمي بيوت وأملاك ومحلات المسلمين والنصارى ضد من يسطو عليها. فقال: دعنا من ذلك، وسأسألك سؤالًا: هل تحبني؟ فقلتُ له: لا يمكنني أن أحب مَن يكذِّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويكذب القرآن.
فدخل هذا المنتسِب للعِلْم والدعوة، وهو صوفي أشعري -فيما يزعم-، فقال للقس: إني أحبك جدًّا يا أنبا فلان، وإن كنتُ لا أوافق على دينك، أو نحو ذلك!
